ارتباك شديد أحدثه قرار تحرير سعر صرف العملة المحلية أمام الدولار نوفمبر الماضي.. قرار امتدت آثاره إلى أسوق الطباعة والنشر، وبالتزامن مع معرض القاهرة الدولي للكتاب –في دورته الـ48 والمنعقد من 26 يناير حتى 10 فبراير 2017، بمنطقة أرض المعارض- تباينت نسب الإقبال خلال الأسبوع الأول، وانخفضت نسبة المبيعات، وأصبح سوق الكتاب مُهددًا بالخسائر وسط شكوى دور النشر والمواطنين.
بعد أسبوع للمعرض.. هل الإقبال مرتفع؟
وقال رئيس هيئة دار الكتب والوثائق القومية، الدكتور محمود الضبع، إن نسبة الإقبال على المعرض مرتفعة جدًا عكس ما توقعه الجميع.
وأضاف لـ"البداية" أن نسبة مبيعات المعرض في أسبوعه الأول تخطت الـ90%، لافتًا إلى أن توقعات دور النشر وإدارة المعرض كانت بين 70% و80%.
وأشار مدير دار الشروق، أحمد بدير، إلى ارتفاع نسبة الإقبال لنحو 30% عن العام الماضي على الدار، معلقًا لـ"البداية": «توقعاتنا للمعرض كانت ضعيفة جدًا، لكن على عكس التوقعات الإقبال كبير جدًا»
هل نجح المعرض في تعويض خسائر دور النشر؟
وبالرغم من تزايد الإقبال، فإن شكاوى دور النشر استمرت لركود صناعة الكتب، فالأزمة الاقتصادية المصرية وما تبعها من ارتفاع غير مسبوق في الأسعار، لم تلقِ بظلالها على السلع والمأكولات والملابس والأدوية فقط، بل وصلت للكتاب، وباتت مهددة معرض الكتاب الجاري وصناعة الكتاب، الذي تشارك فيه كل الدول العربية ودور نشر أجنبية، وتهدد بتراجع المبيعات لأكثر من النصف.
وأضاف مدير "الشروق" أنه بالرغم من إقبال الجماهير على المعرض هذا العام، فإن الدار لم تحقق نسبة مبيعات كافية خلال الأسبوع الأول، موضحًا أن نسبة الخسارة تصل لـ40% عن العام الماضي.
وأشار إلى أن «الشروق بين نارين، فهي من ناحية تريد حق المؤلف، ومن ناحية أخرى تود الربح كصناعة مستقلة، لكن للأسف نحن نسير بقوة الدفع الذاتي، بانتظار معجزة».
واتفق معه محمد هاشم، مدير دار ميريت، مشيرًا لانخفاض نسبة المبيعات خلال الدورة الجارية من المعرض، ويقول: «الإقبال الجماهيري لا يعني أن نسبة المبيعات مرتفعة، فأزمة الكتاب مازالت مستمرة ولن نخرج من مأزقها دون دعم الدولة ووجود حلول لأزمة العملة والطباعة».
وبحسب بيانات غرفة تجارة القاهرة، فإن مصر تحتاج إلى ما يعادل 450 ألف طن من ورق الكتابة والطباعة المستخدم في إنتاج كتب الدراسة والكتب الخارجية والكشاكيل والكراسات، ويتم تدبير 200 ألف طن منها سنويًا عن طريق 22 مصنعًا، منهم مصنعان حكوميان (إدفو وقنا لصناعة الورق)، واستيراد ما يزيد عن 250 ألف طن، و150 ألف طن من الورق الخاص بإنتاج الصحف سنويًا، ما أدى لارتفاع سعر الكتاب نحو50% والمترجَم 150%.
توقعات دُور النشر بعد أزمة الدولار
وحول ارتفاع أسعار الكتب وقدرة المواطن المصري الشرائية يقول مدير مكتبة ميريت: «الكتاب العالي السعر له قارئه، ولكن ارتفاع الأسعار أصبح سمة عامة، لا يرتبط بحصول الكتاب على جائزة فقط، وإنما يرتبط بأمور كثيرة منها إيجارات الشقق التي ارتفعت وفواتير الكهرباء والخدمات والطباعة، نتيجة لأزمة العملة المحلية، ناهيك عن حق المؤلف، والناشر في هذا كله يحاول رفع السعر ليواكب الأوضاع، فمقابل كل كتاب ينجح هناك أربعة كتب لا تنجح، ولا تغطي تكلفتها، فليست جميع الكتب ناجحة، فهناك أعمال أدبية رفيعة فشلت».
ويرى مدير دار المعارف، طارق محمد فاروق، أن الحل الوحيد لمواجهة ركود السوق هو تخفيض الأسعار وتقليل هامش الربح، مشيرًا إلى تخفيضات الدار خلال المعرض والتي من المتوقع استمرارها عقب انتهاء المعرض والتي تتراوح بين 20% لـ30% وللطلبة 40%.
وتبرر مديرة المركز القومي للترجمة انخفاض المبيعات، أنه نتيجة لعدم امتلاك الجمهور بعد التضخم وتحرير العملة لدفع 200 جنيها أو أكثر في كتاب، فضلًا عن ارتفاع بلغ 150% في سعر الكتاب المترجم، وهو الذي يكون الإقبال عليه كبيرًا في المعرض، فقد قفز متوسط سعره بعد التعويم من 200 إلى 460 جنيهاً.
وأضافت أن التخفيضات التي أجراها المركز القومي للترجمة، وصلت لـ70% و50%، مشيرة إلى حاجة دور النشر دعمًا من الدولة لعدم تحمل كل هذه الأعباء لفترات زمنية كبيرة.
ويقول مدير تسويق دار الشروق، مصطفى الفرماوي، إن «ارتفاع سعر الدولار تسبب في خسائر مجحفة لدور النشر، وكنا نستعد للمعرض منذ شهور، قبل قرار تعويم الجنيه، ولكن التعويم وصعود الدولار للضعف، أديا إلى خسائر كبيرة على الناشرين ستؤثر على صناعة الكتاب».
وأضاف: «تعاقدنا مع دور نشر لبنانية، واشترينا منها كتبًا بسعر الدولار قبل التعويم (8 جنيهات)، ولأن دور النشر العربية والأجنبية لا تقبل سداد السعر بالجنيه المصري وتصر على أخذ مستحقاتها بالدولار، فقد حمّلنا هذا على أسعار الكتب بما يعادل أكثر من ضعف سعر الكتاب الواحد».
وانتقد "الفرماوي" هيئة الكتاب، وإدارة أرض المعارض لزيادة أسعار الإيجار بنسبة تتعدى 20% مقارنة بالعام الماضي، ما سيؤدي إلى خسائر كبيرة لدور النشر التي ستحاول أن تعمل بالكاد لتغطية التكاليف دون أي أمل في تحقيق أرباح.
أين الدولة؟
هكذا تساءل أحمد جمال، أحد زائري معرض الكتاب، ويقول: «الدولة خلعت أيدها من كل حاجة ليه، طب ده أكتر حاجة لازم الدولة تدعمها الثقافة والكتب».
ورأت سامية أن الدولة توقفت عن دعم الثقافة والكتاب منذ زمن، ومع اختلاف السلطات والأنظمة السياسية تستمر سياسة «ارمي الكتاب في الزبالة».
وردت دُور النشر الحكومية أن زيادة الأسعار اقتصرت على 10% فقط، وتتولى الدولة دعم الفَرق، ويقول رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، والمسئول عن تنظيم معرض القاهرة الدولي، الدكتور هيثم الحاج علي: «أسعار الورق المستورد زادت، وزادت معها أسعار الكتب، ورغم ذلك هيئة الكتاب، التي اعتادت تقديم كتب مخفّضة، لديها 300 عمل خاص من إنتاج 2016 و2017، تقدم حاليا بأسعار مخفضة».
وأضاف أن معرض القاهرة للكتاب «تظاهرة ثقافية»، وليس مجرد مكان لبيع الكتب، وأنه يشهد إقبالًا شديدًا من الجميع، مشددًا أن «إصدارات الهيئة التي تُعرض بمعرض الكتاب في دورته الـ48، لم تتأثر بتحرير العملة المحلية».
بدائل القراءة
وقال عبد الراضي أحد زائري المعرض: «ما شترتش غير كتاب واحد.. الأسعار بقت نار» مشيرًا لـ"البداية" إلى قراره في التعامل مع الكتب المستعملة والـ"BDF" فقط حتى تعود الأسعار لتوازنها الطبيعي، أو يرتفع راتبه.
كما قالت إيمان، إحدى متفرجات المعرض، إنها لم تقم بشراء كتب، وقامت بالمشاهدة فقط، لافتة إلى ارتفاع الأسعار المبالغ فيه رغم التخفيضات.
ورأى أحمد، أحد زائري المعرض، أن المواطن عليه حماية صناعة الكتاب من القرصنة بأنواعها المختلفة، معتبرًا شراء الكتب حماية للثقافة العربية.