أموال طائلة، تحويها صناديق النذور بالمساجد، تكونت من تبرعات وزكاة المواطنين على مدار سنوات عدة، لتكون في نهاية الأمر بمثابة مغارة ضخمة مليئة بالأموال، وتصبح محط أنظار الجميع، ما بين أيادي سارقين تحاول أن تسطو عليها، وحكومة تسعى إليها لتحسين الاقتصاد ووقف النزيف المستمر للموازنة العامة.
"سرقات متتالية"
خلال النصف الأخير من العام الماضي، كانت صناديق النذور بمساجد المحافظات المختلفة مطمعًا للكثيرين، حيث بدأ الأمر بسرقة صناديق النذور الخاصة بضريح سيدي "عبد المتعال بن شمس الدين الأنصاري" بمسجد السيد البدوي، وتم وقتها توجيه الاتهام إلى العاملين في المسجد، ولا زال الفحص جاريًا إلى الآن، رغم أن الواقعة حدثت في مايو الماضي.
واقعة أخرى، حدثت بعد أيام، حينما فوجئ المصلون بمسجد السيدة حورية في محافظة بني سويف، بسرقة صندوق النذور عقب صلاة الفجر، ووجدوا أقفاله مكسورة، بعدما تم تفريغه من الأموال، بالرغم من أنه لا يتم فتحه وجرده إلا كل 3 شهور؛ طبقًا لإجراءات وزارة الأوقاف.
وبالرغم من الإجراءات الصارمة التي وضعتها وزارة الأوقاف لمراقبة أموال النذور بالمساجد، تمكن اللصوص من سرقة صندوق النذور بمسجد السيدة نفيسة خلال يونيو الماضي، وتم اكتشاف حادث السرقة بالصدفة، عندما لاحظ عمال المسجد وجود كسر بالصندوق، والاستيلاء على الأموال الموجودة به.
وكانت آخر الوقائع، ما تعرض له صندوق نذور مسجد السيد البدوي في مدينة طنطا بالغربية، إذ تمت سرقته من قبل مجهولين، وأعلن المسجد وقتها أنه لم يسرق بكامله، لكن تم الاستيلاء على مبلغ 500 جنيه، ولا زال البحث جاريًا في تلك الواقعة أيضًا.
"الموازنة العامة"
ومع مطلع العام الحالي، اتجهت أنظار الدولة إلى صناديق النذور، وتحديدًا مجلس النواب، الذي طالب بضم تلك الأموال إلى خزائن الدولة والموازنة العامة، مبررًا ذلك بأن ترميم المساجد يكون على نفقة الدولة، إلا أن المقترح آثار لغطًا كبيرًا، ورفضه بعض النواب بدعوى أن المواطنين سيمتنعون عن التبرع حال علمهم بأن هذه الأموال تؤول إلى الدولة.
وبالفعل تقدمت النائبة شادية ثابت - عضو مجلس النواب، بطلب إحاطة لوزير الأوقاف، بشأن صناديق النذور، للمطالبة بضمها إلى الموازنة العامة للدولة، مثل باقي الصناديق الخاصة، لكي تكون تحت الإشراف الكامل لها، وحتى لا تكون هناك شبهة إهدار مال عام واستغلال للمبالغ في غير موضعها، لا سيما أن الدولة تقوم بالإنفاق على ترميم وبناء المساجد.
وتحوي صناديق النذور بالفعل أموالًا طائلة، إذ حققت إيرادات تصل إلى 67 مليون جنيه، منذ بداية العام المالي 2016 وحتى نهاية مايو منه، وفقًا لإحصائيات وزارة الأوقاف، مرتفعة بذلك نحو %30 مقارنةً بنفس الفترة من عام 2015، وتخصص الموازنة العامة للدولة مبلغ 144 مليون جنيه فقط لوزارة الأوقاف، وهي لا تغطي احتياجاتها البالغة 400 مليون جنيه.
"اقتصاد التبرعات"
وعن تلك الخطوة، يرى وائل النحاس - خبير الاقتصاد وأسواق المال، أن الحكومة تتبع أسلوب البحث في الدفاتر القديمة لتحسين الاقتصاد وسد عجز الموازنة، مشيرًا إلى أنها لجأت لصناديق النذور بعدما استنفدت كل الطرق لتحصيل الأموال من الشعب، سواء بفرض الضرائب والرسوم أو برفع الأسعار.
وأوضح أن الاقتصاد لا يُبنى بتلك الطرق، ولا يوجد اقتصاد دولة يسعى لسد عجز الموازنة من خلال التبرعات، واصفًا تلك المطالبات بـ"نوع من التسول، الذي يصدر صورة ورسالة سيئة عن الحكومة والاقتصاد المصري في الخارج، مفادها أن الحكومة ليس لديها مصادر تمويل كفاية وتبحث عن التبرعات بالمساجد" – على حد قوله.
ويضيف: "الحكومة لا تبحث عن طرق أفضل لتدفع بها المواطن للتفاعل مع الدولة بإيجابية"، مؤكدًا أن بضم تلك الأموال للموازنة لن يتبرع أحد للدولة، مشددًا على ضرورة ضبط الدولة لأوجه صرف التبرعات طبقًا لبرنامج واضح، بأن يتبرع المسلم لكفالة يتيم أو إعالة أسرة ومراعاة أصحاب الدخول الضعيفة، ما يصب في صالح الإسلام ويرفع العبء عن كاهل الحكومة في نفس الوقت.
"صالح المسلمين"
ومن الناحية الدينية، يؤكد الدكتور عبد الحميد الأطرش - رئيس لجنة الفتاوى السابق بالأزهر، أن النذور هي ما أن يذر المؤمن إلى الله، وقد يكون النذر طاعة لله أو تبرع في سبيل الله، مشيرًا إلى أن النبي محمد، أوصى بأن النذر لغير الله باطل، "فلا يكون هناك نذر لولي أو حاكم أو ما شابه".
وأوضح أن الفترة الأخيرة شهدت نوعًا من الفوضى في صناديق النذور، "وأصبحت أموالها عرضة للضياع، بالرغم من مسئولية وزارة الأوقاف عن الأموال بها"، مشددًا أنه لا بد من تحري الدقة والأمانة في طرق استغلال تلك الأموال لصالح الإسلام والمسلمين، وألا تنفق على حوافز أو مكافآت للقائمين عليها.
وأشار إلى أنه حال إضافتها إلى خزينة الدولة، "لا بد وأن يتم إنفاقها على ما فيه خير للإسلام والمسلمين، لأن الدولة هي المسئولة عن رعاية الشعب"، مبينًا أن ذلك لا يخل بنية المتبرع، لأنه تبرع في الصندوق دون تحديد وجهة الزكاة، وبالتالي يمكن استغلالها من قبل الدولة في سبيل الله، وتكون هي المسئولة أمامه يوم القيامة.