6 سنوات كاملة مرت على ثورة يناير، ولكن فصيلا من الثوار لا يزال يتعرض لأبشع أنواع التعذيب والعذاب.. عذاب تنفطر منه القلوب وتتصدع من قسوته الجبال الراسيات.
فصيل من الثوار لا هم أحياء، ولا أموات.. بل ولا يعرف أهاليهم ما إن كانوا أحياء فينتظرون قدومهم، أم أموات فيدعون لهم بالرحمة.
خرجوا مع الساعات ليوم 25 يناير 2011، ليس لهم سوى هدف واحد ووحيد، وهو إسقاط نظام فاسد، واستجاب لهم القدر، وسقط النظام الفاسد.. وانتظرت أمهاتهم وزوجاتهم وابناؤهم عودتهم إلى بيوتهم، ولكنهم لم يعودوا..
بحثوا عنهم فى كل المستشفيات وجميع أقسام الشرطة، وتنقلوا بين كل محافظات مصر، على أمل أن يجدوهم فى أي من السجون.. ولكنهم لم يجدوا لهم أثرا.
وبخطوات متعثرة، وعيون غارقة فى الدموع وقلوب مزقها الحزن، راحوا يبحثون عنهم فى المشارح.. تمنوا حتى أن يجدوهم ولو جثثا ملقاة فى ثلاجة باردة داخل مشرحة، ولكن حتى تلك الأمنية القاسية لم ينالوها!
طرقوا كل أبواب المسئولين لعلهم يجدون خيطا يقودهم إلى معرفة مصير أبنائهم، فلم يسمعوا سوى جملة واحدة «منعرفش عنهم حاجة».
ورغم كل ذلك لم يفقدوا الأمل، وعاشوا على أمل عودة الغائب.. فمع كل مساء يبتهلون إلى الله أن يعود إليهم.. ومع كل طلعة شمس يبتهلون لله أن يعود الغائبون.. مع كل طرقة على الباب يتمنون أن يكون الطارق هو حبيبهم الغائب، ومع كل رنة تليفون يتمنون أن يكون على الطرف الآخر الثائر الغائب أو أى شخص آخر يمنحهم طرف خيط للوصول إليه.
ومرت سنوات والأمل لم يمت داخلهم، والدموع لم تفارق عيونهم، والجنين يمزق ضلوعهم والحزن لم يغادر منازلهم.. وما زالوا يتعلقون بالأمل.. أمل عودة الثائر الغائب.
لا يوجد حصر واحد يحدد عدد مفقودى ثورة يناير، فالتقرير الذى أصدرته حكومة عصام شرف بعد شهور قليلة من الثورة، قال إن عددهم 1200 مفقود، ولكن تقرير حكومة الجنزورى التى خلفت حكومة شرف قال إن عددهم 1860 مفقودا، فى حين أن تقرير لجنة تقصى الحقائق التى شكلها الإخوان عام 2012 أكد أن عدد المفقودين خلال ثورة يناير يبلغ 100 مفقود فقط.
وسواء أكانوا 100 مفقود أو 1860 مفقودا، فإن استمرار غيابهم حتى الآن يمثل فاجعة مروعة.. فما معنى أن يظل هذا العدد مفقودا، ولا يعرف أحد إن كانوا أحياء أم أمواتا؟.. إجابة هذا السؤال مهينة لكل وزارات مصر، وعلى رأسها الأجهزة الأمنية، باعتبارها مسئولة عن أمن كل مصرى يعيش فوق أراضى الوطن، فليس أقل من أن تعرف ما إذا كان هؤلاء المفقودون أحياء أم أمواتا.. والعذر الوحيد لتك الأجهزة هو أن يكون المفقودون جميعا قد تبخروا فلم يعد لهم من باقية!
وما يزيد الفاجعة مرارة أن كل الحكومات السابقة رصدت تعويضات وشيدت صندوقا وسنت قوانين وصرفت تعويضات بمئات الآلاف من الجنيهات لشهداء ومصابى الثورة، ولكنهم تجاهلوا المفقودين تماما!.. لماذا؟.. الله أعلم.
وعلى كل الأحوال تبقى حكايات المفقودين شاهدة على ظلم المسئولين لمواطنين كل ما فعلوه أنهم شاركوا فى ثورة غيرت وجه مصر.
«ابراهيم سعيد أحمد» واحد من مفقودى ثورة يناير.. إبراهيم شارك فى الثورة منذ ميلادها يوم 25 يناير.. اختفى يوم 28 يناير، فلم يعد لمنزله من يومها.. يقول شقيقه «محمد» بحثنا عن «إبراهيم» فى كل مكان.. مستشفيات.. أقسام شرطة.. سجون.. مشارح، فلم نجد له أثرا، وخلال البحث قال لنا بعض شهود العيان إن شقيقى ظل فى ميدان التحرير حتى موقعة الجمل فى فبراير 2011.
ويضيف «إبراهيم ترك 4 أبناء أكبرهم كان عمره 14 عاما وأصغرهم كان عمره شهورا، كبر الأطفال فى غياب والدهم وعشنا جميعا مأساة لم تنته، ووصلت لدرجة أننا لم نتمكن من استخراج شهادة وفاة له إلا بعد اللجوء للقضاء، وحصلنا على شهادة مفقود فى حكم المتوفى».
ويواصل «الجهات الرسمية رفضت منح شقيقى معاشا، مثلما حدث مع مصابى الثورة ولم يبق لأسرته دخل سوى مبلغ مالى بسيط تحصل عليه زوجة شقيقى المفقود من معاش والدها».
وعندما تطالع مآسى مفقودى ثورة يناير، ستشعر أنها متشابهة لدرجة كبيرة.. نفس الألم والحزن والغرابة.
من بين حكايات المفقودين التى رصدتها صفحة «حنلاقيهم» وهى صفحة دشنها مجموعة من الشباب على الفيس بوك من أجل مساعدة أسر المفقودين فى الوصول إليهم محمد صديق توفيق.. بكالوريوس تجارة خارجية.. 2011 محمد من الثوار الأوائل الذين نزلوا وثاروا ضد الظلم يوم 25 يناير 2011 قبل ان يعلم أحد انها ستكون ثورة شعبية عارمة. نزل يوم 25 وعبر مع الذين عبروا الى ميدان التحرير ثم عاد إلى منزله فى الفجر بعد أن تم فض الميدان بوحشية من قبل قوات الأمن.
و قال لأمه إنهم جميعا اتفقوا على ان يعودوا إلى الميدان يوم الجمعة 28 يناير، و لن يرجعوا إلى بيوتهم إلا بعد رحيل الطاغية الرئيس المخلوع حسنى مبارك.
نزل يوم 28 يناير «جمعة الغصب»، انضم لمسيرة من حلمية الزيتون لميدان التحرير.. وصل إلى الميدان، ثم اختفى تماما.. وتعذر على والدته الاتصال به نتيجة قطع الاتصالات.. انتظرت حتى الفجر فلم يرجع، ظنت انه ماكث فى الميدان وفاء لوعده ألا يرجع حتى يرحل مبارك، فذهبت للميدان تبحث عنه فلم تجد له أثرا.. ذهبت للسجون، والمستشفيات، والمشارح لم تعثر عليه.. ثم عادت الاتصالات وحاولت الاتصال به، هاتفه مغلق.. وظل مغلقا حتى يوم التنحى 11 فبراير 2011 اتصلت به، فرد عليها وقال لها «نعم يا أمي.. أنا محبوس» ثم انقطع الخط اتصلت مرة أخرى، ليرد عليها شخص «تعتقد انه ضابط» وسبها وابنها بأقذع الألفاظ وتوعدهما بالويل جزاء لأنهم فكروا ان يقوموا بثورة.
ثم بعد ذلك ببضعة أشهر، حاولت أمه الاتصال به مرة أخرى ليرد عليها شخص يخبرها انه مجند فى القوات المسلحة وانه وجد هذا الهاتف ملقى عند النقطة العسكرية فى الجبل الأحمر.. ثم انقطعت كل أخبار محمد من هذا الوقت!
محمد الشافعى محمد إبراهيم 23 سنة, حكاية أخرى لمفقودى ثورة يناير.. محمد كان مجندا فى القوات المسلحة.. وفى يوم 30 يناير خرج فى أجازة من وحدته وفى طريق عودته لمنزله بصحبة أبناء عمه «سعيد جاد الله وحسن صالح» فى سيارة خاصة.. وفى دهشور اعترضتهم نقطة تفتيش هناك وطلبوا بطاقاتهم، محمد لم يكن معه بطاقته فأصر الضباط فى النقطة على القبض عليه بدعوى التحري، وأخبروا أبناء عمه انهم يمكنهم ضمانه فى اليوم التالى «بسبب حظر التجول» من قسم الهرم.. ذهب أبناء عمه فى اليوم التالى لقسم الهرم فلم يجدوه ونفى الضباط فى القسم وجوده داخل القسم .. عاد أقاربه للنقطة مكان القبض عليه فلم يدلهم أحد على شىء.. و من يومها و محمد مختفٍ تماما ولا أحد يعرف مصيره.
حسن يوسف سطوحي، حكاية أخرى من حكايات مفقودى يناير.. حسن عامل أرزقى نزل يوم 29 يناير2011 متجها إلى الورشة التى يعمل بها ليقبض راتبه، ثم اختفى تماما من وقتها!.. تقول والدته: «حسن» اختفى وأنا بحثت عنه فى كل مكان فى مصر، لدرجة أننى سافرت للبحث عنه إلى الوادى الجديد، رغم أننا نسكن محافظة الجيزة.
وتضيف «حسن بحثت عنه فى جميع المستشفيات والمشارح والسجون والبحث الجنائى، ولم أترك مكانا إلا وبحثت عنه فيه، فلم أجد له أثرا».
وتضيف باكية «حسن اختفى وترك لى زوجته و3 بنات اصغرهم ولدت بعد اختفائه بأربعة شهور»، وتواصل باكية «الضنا غالى وأنا كبرت وعاوزه أشوف ضنايا».
زيان سيف النصر عبد الفتاح 41 سنة، من مفقودى يناير.. زيان عامل بسيط فى مصنع الطوب فى المنيا، كان فى القاهرة فى منزل اخيه وقت بداية الثورة وقرر ان ينزل للمظاهرات يوم 28 يناير «جمعة الغضب» فانضم لمسيرة مسجد الاستقامة المتجهة إلى التحرير و فقد من وقتها.. لا أحد يعلم مصيره.. و لم يجده أهله فى المشرحة أو فى أى مستشفى.
ياسر عبد الفتاح إبراهيم 17 سنة، طالب.. ياسر كان فى طريقه لوسط البلد يوم 19 نوفمبر مع أصدقائه ليشترى بعض الأشياء، ثم علموا ان هناك اشتباكات عنيفة بين المتظاهرين وقوات الأمن فى شارع محمد محمود، فذهب لمساعدة المتظاهرين واختفى تماما من وقتها.. لم يتم العثور عليه وانقطعت اخباره من يومها!..
يقول عبدالفتاح إبراهيم «لا أنام طوال الليل.. ابنى أمام عينى طوال الليل.. أنا أتعذب.. لفيت سواحل مصر والمحافظات كلها، ولم أجد شيئا».
ويضيف «عاوز أعرف ابنى حى او ميت.. انا عاوز أشوفه قبل ما أموت».
سامى بكرى قرني- 25 سنة - عامل مطبعة.. سامى كان فى طريقه لإحضار أخيه من المستشفى فى حلوان بعد جلسة غسيل كلوي، ولم يكن معه أى إثبات شخصية.. لم يصل للمستشفى ولم يعد للبيت من يومها.. وفى ذلك اليوم كانت قوات الجيش منتشرة فى تلك المنطقة للقبض على الهاربين من سجن طره.. والأهل يظنون انه ربما تم القبض عليه معهم بالخطأ.. سامى ليس له أى اثر فى أى مستشفى أو سجن أو مشرحة من ذلك اليوم!
محمد محمود فهمي 58 سنة ضابط شرطة سابق.. اختفى من ميدان التحرير يوم 25 يناير 2011 وأسرته تبحث عنه من يومها وتصل لزوجته تهديدات بشكل دورى ألا تحاول البحث عنه.
محمد أسامة سليمان 15 سنة,، طالب بالصف الثالث الإعدادى.. كان مع والده فى المسيرة التى تحركت من مسجد الاستقامة إلى ميدان التحرير بعد صلاة يوم الجمعة 28 يناير 2011 وعندما وصلوا الى الكردون الأمنى المقام عند كوبرى قصر النيل طلب منه والده ان يعود، لكنه رفض وقال إن عادوا الآن فإن الناس فى الميدان سيتم قتلهم أو القبض عليهم ولا يشعر بهم أحد، اخترق الكردون وعبر الى الميدان ثم اختفى تماما.. ليس له أى أثر من يومها!
وهكذا حال كل المفقودين.. الذين نسيهم الجميع.