أحيت أسرة فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي وأهالي دقادوس بالدقهلية، أمس، الذكرى العطرة الثامنة عشر لرحيل هذا الشيخ الجليل الشعراوي أشهر من أن نكتب كلمات بتعريفه، وعلمه بالقرآن وبالدين أوضح من أن يوضّح؛ ولذلك فسنتناول مواقف شهدها البعض وخفيت على الكثيرين، فصيته يسبق اسمه، لأنه اقترن بكلام الله عز وجل تربّينا كبارًا وصغارًا على تفسيراته البسيطة، أو ما أحب أن يطلق عليه هو الخواطر القرآنية، مخافة أن يكون فيه جرأة على التفسير ومقارعة علمائه، في الوقت الذي يعدّ نفسه أقل من هذا قدرًا، وإن كانت منزلته وعلمه تضعه شامخًا بينهم.
لذلك فإننا نتناول نبذات بسيطة عن مواقفه الإنسانية مع من عاش وتربى بينهم، وكذا مواقفه مع السلطة وذوي النفوذ، التي شهدها البعض وخفيت على الكثير.
أكد المهندس عبدالرحمن، مدير مجمع الشيخ محمد متولي الشعراوي الخيري، أنه جرت العادة منذ وفاة الشيخ بإحياء ذكرى رحيل الشيخ الشعراوي الذي يلقى اهتمامًا كبيرًا من أبنائه ومحبيه ومريديه وأهل قريته، الذين يتجمعون كل عام في 17 يونيو، لإحياء هذا اليوم، وتتضمن الاحتفالية، لمدة يوم واحد فقط، ويتم من خلالها استقبال الحاضرين كافة من تلامذة الشيخ ومحبيه وأصدقائه، ويقوم البعض بتلاوة آيات من القرآن الكريم، والأناشيد الدينية، ومديح الرسول، ومأثورات عن حياة الشيخ الجليل، وتنتهي الليلة في الثانية عشرة مساءً بتقديم وجبات العشاء، التي يتم فيها تقديم الذبائح المطبوخة للعامة طوال اليوم.
وأشار عبدالرحمن إلى أن هذا العام وبمناسبة شهر رمضان، الذي يواكب ذكرى رحيل الشيخ الشعراوي، تم الاتفاق مع عائلة الشيخ على أن تتضمن الاحتفالية خاتمة القرآن على روحه، والاكتفاء بتوزيع لحوم الذبائح على المحتاجين، بدلًا من طبخها كما اعتدنا من قبل.
أما عن إنسانية الشيخ الشعراوي ومواقفه مع أهالي قريته "دقادوس"، مسقط رأسه، وكيفية الاحتفال بذكرى رحيله، قال عبدالباسط محمود هرجه، بطل عالم سابق لكمال الأجسام، من قرية دقادوس لـ"الوفد"، إن "فضيلة الشيخ الشعراوي حوّل مسقط رأسه إلى منارة للعلم، حيث أقام فيها مشاريع خيرية عدة، منها مجمع الشعراوي الإسلامي ويضم مجمعًا طبيًا وعلميًا ومكتبة عامة ومركزًا للحاسب الآلي على مساحة 3 قراريط، وبنى مسجد الأربعين، ورفض أن يطلق عليه اسمه، وأصر على أن تكون المأذنتين للمسجد أعلى مكان في ميت غمر حتى يراهما وهو قادم من القاهرة، كما أنشأ معهدًا أزهريًا ابتدائيًا، ومدرسة دقدوس الإعدادية للبنين، ومسجد الغريب، ولم يكمل الشيخ آخر أمانيه ببناء المستشفى الذي كان يرى فيه علاجًا لكل مرضى ميت غمر الغلابة".
وأضاف المهندس عبدالرحمن الصاوي، مدير مجمع الشيخ محمد متولي الشعراوي، قائلًا إنني "كنت وكيل أعمال فضيلة الشيخ، وقمت بتنفيذ المشاريع الخيرية كافة بدقادوس، ولم يمهل القدر فضيلة الشيخ ليرى افتتاح المستشفى النموذجي الذي سعى إلى تنفيذه لخدمة المرضى الغلابة من أهالي ميت غمر وأجوارها، حيث خصص له قطعة أرض على مساحة 306 أمتار مربعة، وبدأ الإنشاء فيه في عام 1998، حيث كان من المقرر أن يكون على ارتفاع 7 طوابق ويحتوي على التخصصات الطبية والعلاجية كافة، ليكون شبيهًا بمستشفى كليوباترا بالقاهرة".
وأشار إلى أن "فضيلة الشيخ كان يسألني دائمًا، على رغم مرضه، يعني أنتم مش عاوزين تخلصوها، وأنا موجود، ولكن إرادة الله سبقت رغبته في اكتمال المبنى، الذي قمنا بتكملة أربعة أدوار بعد وفاته، إلا أن العمل توقف تمامًا بسبب عدم وجود أموال لاستكماله، وقد قمنا بعمل دراسة للمبنى الذي يحتاج إلى 15 مليون جنيه لافتتاحه، وعرضنا الأمر على الدكتور الوزير علي جمعة، ونأمل في المساعدة لنكمل أمنية شيخنا الراحل الذي تمناها مستشفى تدعم البسطاء والفقراء وتساعدهم في الشفاء".
أما عن العلاقات الإنسانية، فيقول الدكتور نبيل مختار، أحد جيران الشيخ الشعراوي: رحل عنا رجل الدين الوسطي، من علمنا القرآن بتعاليمه السمحة، فقد كان عطوفًا يحب أهل بلده ويودهم وله من مواقف البر وأعمال الخير الكثير ، وبالنسبة لي فهو من رباني، وعند تعليم أبنائي كان يصر على أن يتعلموا تحت إشرافه في القاهرة، وفي أيامه الأخيرة، وعلى رغم مرضه، فوجئنا به يدخل علينا ليسأل عن أخي المريض، ويومها قلنا له ليه تتعب نفسك وتطلع الأدوار دي وأنت تعبان، قال ده واجب ولن أتأخر فيه.
ويضيف اللواء عبدالله الشريف، أحد جيران الشيخ الشعراوي بالقرية، قائلًا: رحم الله من أحيا الدين وجمع الناس على كلمة "لا إله إلا الله محمد رسول الله" بأسلوبه البسيط السهل الممتنع الذي يصل للمستويات كافة، حبب الناس في الدين لينتظروا حلقاته في تفسير القرآن، كما كان تواضعه وحبه لأهل بلده كبيرًا، فهو رجل خير، ونشكر الله على أنه كرّمنا به، حيًا بعلمه وترسيخ الدين في قلوبنا، كما كرّمنا بجسده الطاهر وهو ميت، فهو نبراس يذكرنا به ونفتخر أننا من أهل بلده وتلاميذه ومحبيه الذين تعلموا على يديه الدين الصحيح.
أما عن الطقوس التي كان يتبعها الشيخ محمد متولي الشعراوي، فيقول صالح الشيخ، خادم الضريح، قائلًا: أنا "موجود هنا منذ 15 عامًا ومن قبلي كان والدي يلازم فضيلة الشيخ، فقد كان يأتي لمنزله هنا بالقرية عندما كان يشعر بضيق، أو يحتاج لراحة نفسية، وكان يجلس في بلكونة الحديقة بالدور الأرضي معظم الوقت، وإذا أراد أن يجلس منفردًا هربًا من الناس للتعبد كان يجلس في هذا المكان الذي أصر نجله عبدالرحيم على إقامة ضريح، ودفنه في مكان طاهر شهد على تعبده وقراءة القرآن، وهو اليوم مزار ليس للدجل بل لقرأءة القرآن والترحم على شيخنا الجليل".