بين استغاثات الأهالى من انتشار قطعان الكلاب الضالة وتقاعس الجهات المختصة عن إيجاد حلول ناجحة للتعامل مع الظاهرة التى تهدد سلامة السكان - لجأ عدد من المواطنين إلى التعامل مع الأمر بطريقتهم الخاصة، حيث قاموا باصطياد وقتل عشرات الكلاب بطريقة عشوائية.
فى منطقة صحراوية متاخمة لمنطقة دجلة بحى المعادى، وجدنا محرقة قطرها عدة أمتار محاطة بأحجار صخرية، يملؤها رماد الأخشاب وفروع الأشجار المحترقة وفيها آثار لبقايا كلاب صغيرة محترقة، وأخرى ميتة تظهر على أجسادها علامات الضرب بطريقة إجرامية، وأكدت لنا شهادات السكان أن مجموعة من الشباب يقومون بحرق وتعذيب الكلاب الصغيرة فقط لتحقيق المتعة.
فى السطور التالية نستعرض القصة بكل تفاصيلها بحثا عن حل يرضى جميع الأطراف ويحقق المصلحة العامة.. سمعنا من الأهالى وتحدثنا إلى جمعيات الرفق بالحيوان، والهيئة العامة للخدمات البيطرية، كما بحثنا عن موقف القانون من القضية.
السكان: أطفال يصطادونها ويحرقونها ليلاً
وفقًا للشهادات التى حصلنا عليها، فإنه فى مساء كل ليلة تقريبًا يتجمع مجموعة من الأطفال، من سن 15 إلى 18 عامًا، ويصطادون الكلاب الصغيرة الموجودة بالمنطقة، ويجرونها نحو مكان معروف باسم «محرقة الكلاب»، حين يشعل هؤلاء الشباب النار فى هذا المكان ويلقون الكلاب به.. هذه الكلمات قالتها مدرسة فرنسية فى مدرسة بمنطقة «دجلة المعادى»، طلبت عدم نشر اسمها. تقول المدرسة الفرنسية «ف. م»، لـ«الدستور»، إن هؤلاء الشباب يظهر عليهم تناول عقاقير مخدرة، لأنهم يكونون فى حالة غير سوية، ويقومون بأفعال غير رحيمة على مرأى ومسمع من الجميع، مؤكدة أنها وغيرها أبلغوا شرطة المعادى أكثر من مرة، بعمليات حرق الكلاب، من دون استجابة بل إن الشرطة تشن حملات متعددة لقتل الكلاب، بزعم أنها مسالمة. وتضيف المدرسة أن جزءًا من هؤلاء الشباب من أبناء البوابين بالمنطقة، ويستخدمون أسلحة بيضاء وخرطوشًا لصيد وقتل الكلاب وحرقها، فى ساعات متأخرة من الليل.
وتقول ميار رجب، طبيبة بيطرية تقيم بالمعادى، إنها فوجئت صباح يوم السبت قبل الماضى، أثناء الخروج من المنزل، بوجود مجموعة من الكلاب المذبوحة والمحروقة أمام المنزل من قبل نفس الأشخاص، فاتصلت بشرطة المعادى، لكنها لم تتخذ أى إجراء حيال الواقعة.
«الرفق بالحيوان»: 15 مليون كلب ضال في مصر
وفقًا لشهاب عبدالحميد، نائب رئيس مجلس إدارة الجمعية العامة للرفق بالحيوان، فإن عدد الكلاب الضالة فى شوارع مصر يتجاوز الـ15 مليونًا، مشيرًا إلى أنه طبقًا للتقارير الرسمية فإن حالات العقر من الكلاب الضالة تجاوزت 300 ألف حالة سنويًا.
وتقدر الهيئة العامة للخدمات البيطرية، بوزارة الزراعة، عدد الكلاب المرخصة بـ35 ألف كلب على مستوى الجمهورية، وتتولى مديرية الطب البيطرى فى كل محافظة منح رخصة الكلاب، من خلال حلقة معدنية صغيرة تعلق فى رقبة الكلب، وتكمن أهميتها فى إعفاء صاحب الكلب من المساءلة القانونية حال اعتداء الكلب على آخرين، بالإضافة إلى المطالبة بتعويض فى حالة قتل الكلب من قبل أى شخص، بما فى ذلك الدوريات الشرطية. وتقول منى خليل، رئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية بالرفق بالحيوان، إن السبب فى تعذيب الأطفال للكلاب الصغيرة والجراوى هو الثقافة التى نشرتها الحكومة من قتل وسم الكلاب، موضحة أن هيئة الخدمات البيطرية وشرطة الخيالة، التابعة لوزارة الداخلية، تصدر أكاذيب للمواطنين حول وجود كلاب مسعورة، بالإضافة إلى إهدار المال العام فى استيراد سم بملايين الدولارات.
وقالت «خليل» إن عمليات حرق الكلاب بالمعادى جزء من عشرات حالات التعدى على الكلاب من ربطها فى أعمدة النور، وإلقائها حيةً بالترع والمصارف من قبل شباب وأطفال.
القانون لا يجرم القتل أو التعذيب
على الرغم من ذكر الحيوانات فى 3 قوانين مصرية، ووجودها كذلك فى المادة 45 من الدستور المصرى، الذى أقره استفتاء يناير 2014، إلا أنه لا توجد عقوبة تجرم قتل الكلاب، أو تعذيب الحيوانات بصفة عامة، وجرم القانون فقط قتل الحيوانات المملوكة للغير، بينما كفل الدستور الرفق بالحيوانات دون تجريم قتلها.
كما نصت المادة 45 من الدستور المصرى على أن الدولة «تكفل حماية وتنمية المساحة الخضراء فى الحضر، والحفاظ على الثروة النباتية والحيوانية والسمكية، وحماية المعرض منها للانقراض أو الخطر، والرفق بالحيوان، وذلك كله على النحو الذى ينظمه القانون»، بينما لم يحدد القانون عقوبة لقتل الحيوانات الضالة. ولا يوجد قانون يعاقب على قتل الحيوانات الضالة، والحالة الوحيدة المنصوص عليها فى القانون هى قتل الحيوانات التى يمتلكها الغير، وتكون ذات منفعة مثل الماشية، وذلك وفقًا لثلاثة قوانين فى مصر تناولت حقوق الحيوان لم تجرم أحدها سوى قتل الحيوانات التى تخدم الغير، كالماشية والدواب، وهى قانون العقوبات، وقانون البيئة، وقانون الزراعة.
بينما لم يعط قانون البيئة اهتمامًا يذكر بالحيوانات، سوى ما جاء بالمادة 28 منه، ولم يساير قانون العقوبات بنصوصه مغلظة العقوبة، على قتل أو إيذاء الحيوانات، واقتصر دور القانون على أنواع محددة من الطيور والحيوانات البرية المهددة بالانقراض، بالإضافة إلى تنظيم عملية الصيد التى لم يجرمها تمامًا القانون من الأماكن المسموح الصيد فيها وشروط إصدار الترخيص. وكذلك لم ينص قانون الزراعة على أى حماية للحيوانات، سوى ما جاء بإحدى مواد القانون التى تمنع صيد الطيور والحيوانات البرية، بالإضافة إلى بعض المواد التى تنظم عملية ذبح ذكور العجول والبقر للحفاظ على الثروة الحيوانية، وهو ما لا يمت بصلة للرأفة والرفق بالحيوانات، وعلى ذلك لا توجد مادة فى هذا القانون تحمى الحيوانات.
وفى سياق متصل قالت دينا ذو الفقار، الناشطة فى مجال حقوق الحيوان، إنها تلقت عشرات البلاغات الخاصة بحرق الكلاب الصغيرة بالمعادى، وأبلغت الشرطة دون جدوى. وأضافت «ذو الفقار» أنها أقامت دعوى قضائية، ضد كل من وزيرى الزراعة والتنمية المحلية بصفتهما، ورئيس هيئة الخدمات البيطرية، حملت رقم «1723» بتاريخ 21 يوليو 2016، لوقف العمليات الوحشية التى تتعرض لها الكلاب الضالة من قبل مواطنين، أو الحملات التى تشنها وزارة الداخلية.
الكلاب تعقر 300 ألف مواطن سنويًا
الدكتور إبراهيم محروس، رئيس الهيئة العامة للخدمات البيطرية التابعة لوزارة الزراعة، قال لـ«الدستور»، إن خطة الهيئة تشمل القضاء على الكلاب الضالة لاحتمال وجود كلاب مسعورة من بينها، خاصة أن هذه الكلاب تكلف الدولة، ممثلة فى وزارة الصحة، ملايين الدولارات سنويًا، نتيجة استيراد أدوية مضادة للسعار الذى يصاب به أكثر من 300 ألف مواطن سنويًا.
وأشار «محروس» إلى أن الجمعيات الحقوقية تسىء لسمعة مصر فى الخارج، ولا تهتم بالانتشار الكبير للكلاب الضالة فى مختلف المحافظات، وتهديد هذه الكلاب للأطفال وعامة الناس، مضيفًا «الفكرة مش السعار، الفكرة فى التكلفة التى يتم بها تحصين المواطنين من عقر الكلاب، والتى تزيد على 50 مليون جنيه سنويًا». وأوضح رئيس الهيئة العامة للخدمات البيطرية أن هناك عشرات المصريين من الأطفال والكبار توفوا وأصيبوا بتشوهات بسبب عقر الكلاب، وأنه من الضرورى معرفة أن هناك أولويات بالنسبة للحكومة، على رأسها حماية المواطن، مشيرًا إلى أن مادة «الإستركنين» تتم زراعتها فى الصين واستيرادها، وليست مادة صناعية أو كيميائية، وأن هذه الطريقة فى التخلص من الكلاب الضالة هى المتاحة فى ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
ونوّه «محروس» إلى أن عمليات التخلص الأخرى، التى تطالب بها الجهات الحقوقية، مثل تقليل الخصوبة وغيرها مكلفة جدًا على الدولة، ولا يمكن تنفيذها، مؤكدًا أن الهيئة لا تتحرك لقتل أو إعدام كلب ضال إلا بعد استقبالها بلاغًا من الأهالى أو المحافظة، وعدم الاستجابة لذلك يعرض مسئولى الهيئة للمحاسبة بتهمة التقصير.
واستكمل «محروس» بقوله إن الهيئة تمنع أى عمليات إجرامية حيال الكلاب دون الطرق المتفق عليها قانونيًا، وأنه سيتم شن حملة على منطقة المعادى لضبط المخالفين الذين يقومون بصيد وحرق الكلاب، بالتعاون مع وزارة الداخلية والطب البيطرى بالجيزة، مشيرًا إلى أن استخدام السم يكون بنصف جرام فى الطعم الذى يستهدف قتل كلب واحد ضال، وأن الهدف من وراء التخلص من الكلاب الضالة هو تفادى احتمالات أن تكون مسعورة وتتسبب فى عقر كلب آخر أو حيوان أو إنسان.