عندما نتحدث عن الجنات الضريبية، تحضر دول مثل سويسرا ولوكسمبورغ وباناما وباهاماس والجذر العذراء البريطانية، وحتى تايوان ومونتي كارلو وإمارة سان مارينو الإيطالية. وفي حال قرر فرد التهرب من دفع الضرائب في وطنه الأم، فأي دولة يختار للهروب إليها مع أمواله؟ وإذا سلمنا الحل إلى أي خبير مصرفي سويسري لديه خبرة لا تقل عن 15 سنة في مجال إدارة الأصول، لوجدنا أن الولايات المتحدة هي الحل المثالي لكل من يريد التهرب من دفع الضرائب. علماً أن حكومة واشنطن تقود حالياً حملة شرسة لمحاربة كل ثري أميركي يعمد على تهريب أمواله إلى الخارج.
لافت أن حكومة واشنطن تغض النظر عمداً عن رجال الأعمال الأجانب، الذين يصلون إلى أراضيها بحثاً عن مؤسسات وشركات مالية علناً أو سراً، لوضع أموالهم داخلها هرباً من أضواء مصلحة جباية الضرائب في وطنهم الأم. علماً أن بروتوكولات التعاون السابقة بين الدول، كانت تعتمد على خوض تحقيقات خاصة باسم مواطن معين، لتبادل المعلومات حوله اعتماداً على مذكرة رسمية. أما اليوم وبفضل التكنولوجيا الحديثة، زالت المعوقات البيروقراطية حول العالم، وبات التحقق من الوضع المصرفي لأي مواطن مهما كانت جنسيته، أسهل كثيراً من أي وقت مضى. وعلى الوسطاء الماليين تجهيز أنفسهم بحلول عام 2018، بأنظمة تحليل تخولهم إجراء مسح شامل عن الأوضاع المالية لزبائنهم. وفي حال كان أحدهم أجنبياً، يجب على هؤلاء الوسطاء إبلاغ دولهم بخصوص الأصول المصرفية للزبائن.
ودفع ملف التهرب الضريبي الدولي وفضائح مالية عالمية، مثل «باناما بايبرز» و «باهاماس ليكس» (حالياً) دول العالم، إلى التحرك لمحاربة المتهربين بهدف إعادة تعبئة الخزائن الضريبية الفارغة نتيجة الأزمة المالية. وفي موازاة تحركات المصارف الضخمة الرامية إلى هندسة أساليب مراوغة سحرية جديدة لإخفاء زبائنها عن شاشة مصلحة جباية الضرائب أينما وُجدت، يُستغرب أن الولايات المتحدة لم توقع حتى الآن، اتفاق تبادل المعلومات المصرفية التي أقرتها منظمة الأمن والتعاون في أوروبا.
وأعلنت الولايات المتحدة الحرب على الهاربين من دفع الضرائب عام 2010، بإقرار قانون «فاتكا» (فورين أكاونت تاكس كمبليانس آكت). ويذكر أن مصرف «كريديه سويس» الذي ساعد بعض الأثرياء الأميركيين على التهرب من دفع الضرائب عبر مساعدتهم في إنشاء حسابات مصرفية سويسرية، دفع غرامة قيمتها 2.6 بليون دولار لوزارة العدل خوفاً من خسارة رخصته التجارية الأميركية. ودفع مصرف «يو بي اس» الأول سويسرياً لناحية الأصول غرامة بلغت 780 مليون دولار عام 2009 للسبب ذاته. كما أُجبر المصرف على تزويد واشنطن بقائمة تحتوي على أسماء 4500 زبون أميركي لديه. ما يعني أن حكومة واشنطن لا «تمزح» لا سيما مع مصارف سويسرا.
وما يُغضب الرأي العام الأوروبي خصوصاً السويسري اليوم، هو أن أميركا باتت قادرة على اختراق أي مصرف أوروبي أو سويسري، بحثاً عن زبائن أميركيين. في حين لا تأبه المصارف الأميركية بتزويد حكومات أوروبا، بأي معلومة حول الزبائن الأوروبيين لديها.
ويسأل خبراء المال في زوريخ، عن غياب التوازن المصرفي الأميركي - الأوروبي - السويسري، وعن الرضوخ الأوروبي لحكومة واشنطن. فها هي مصارف ولاية «ساوث داكوتا» الأميركية تجذب إليها مزيداً من بلايين الدولارت سنوياً. وعام 2014، قدرت الأصول في هذه المصارف بنحو 32 بليون دولار لتقفز صعوداً إلى 226 بليوناً العام الماضي.
وعلى الوتيرة ذاتها، تتضخم الأصول المصرفية في ولايات نيفادا وديلاوير وفلوريدا (التي تعتبر مخزناً مصرفياً استثنائياً لجمع عائدات المخدرات المباعة في أميركا الوسطى والجنوبية). ويعود الفضل الأول في زيادة هذه الأصول إلى الزبائن الأجانب من أثرياء ورجال أعمال.
وتُعتبر أميركا حالياً استناداً إلى التحليلات السويسرية، الجنة الضريبية الأكثر أماناً في العالم. وثمة جنات ضريبية أخرى، يستعملها الأثرياء الأجانب مثل كرواتيا وهنغاريا ورومانيا، بما أن هذه الدول تفتقر إلى أنظمة مراقبة قوية قادرة على رصد المتهربين من دفع الضرائب.
وعلى غرار الولايات المتحدة، تحارب دول أوروبية أيضاً المواطنين المتهربين من دفع الضرائب. على سبيل المثال، تتشدد بريطانيا أكثر فأكثر معهم، خصوصاً بعد «بريكزيت». كما يواجه كل مرتكب جرماً اقتصادياً مالياً في ألمانيا عقوبة السجن. وحالياً، هناك تسعة آلاف شخص في السجون الألمانية لأسباب ضريبية. أما بين الدول التي لم تلاحق مواطنيها بعد خارج الحدود، في حال كان السبب عائداً إلى التهرب الضريبي، نجد سويسرا في المرتبة الأولى عالمياً.