«تم كتم الصوت نظرًا لاحتواء الفيديو على محتوى محمي بحقوق الطبع والنشر». تتصدر هذه الجملة الكثير من فيديوهات «يوتيوب« اليوم، وبالإضافة لها، ربما تكون لاحظت أن بعض قنوات يوتيوب التي اشتركت فيها لم تعد موجودة، أو أن عددًا من الفيديوهات العربية محاه موقع «يوتيوب» نفسه بسبب انتهاكه لحقوق الملكية الفكرية.
رغم المنطق الكامن في مبدأ حماية الملكية الفكرية، إلا أن الطريقة التي يُنفّذ بها، والاتجاه الذي يتخذه يوتيوب –وا?نترنت عمومًا– قد يتسببان في انتهاء المحتوى العربي المستقل من الوجود.
لم تبدأ أزمة حماية حقوق الملكية الفكرية على يوتيوب اليوم، وإنما من عام 2007، أي بعد عامين من إطلاقه، حين قررت شركة viacom مقاضاة شركة يوتيوب –ومالكتها شركة «جوجل»- بدعوى انتهاك حقوق الملكية الفكرية، بسبب رفع المستخدمين مقاطع تملك viacom حقوقها.
بعدها، بدأ يوتيوب في اتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد انتهاكات حقوق الملكية الفكرية.ففي حالة انتهاكك لحق الملكية الفكرية في محتوى رفعته على قناتك، يصدر يوتيوب إنذارًا لك. وفي هذه الحالة، يمكنك إما أن تطلب من مالك الحق أن يسحب ا?نذار الموجه ضدك، أو أن تتقدم بتنويه مقابل تقول فيه إن خطأ ما حدث في تقييم محتواك، وإنك لم تتعد على أية حقوق فكرية، أو أن تنتظر لمدة ثلاثة أشهر حتى تنتهي فاعلية ا?نذار. كما يمكنك التقدم باستئناف للموقع على أي قرارات تصدر بحق محتواك فيما يتعلق بنزاعات الملكية الفكرية.
ورغم إمكانية ادعاء انتهاك أي قدر من الفيديوهات لحقوق الملكية الفكرية، إلا أن صانع المحتوى لا يمكنه الاستئناف على أكثر من ثلاثة ادعاءات في نفس الوقت.
يتسبب إنذار واحد في فقدان بعض مزايا يوتيوب، لكن ثلاثة إنذارات ستتسبب في تعليق حسابك على يوتيوب وحذف كل الفيديوهات المرفوعة، ولن يُسمح لك بإنشاء حساب جديد.
شركاء يوتيوب
يعمل نظام يوتيوب لحماية حقوق الملكية الفكرية عبر طريقتين؛ ا?ولى حذف الفيديو المحتوي على انتهاك لحقوق الملكية الفكرية بناءً على طلب الشخص أو الجهة المالكة للحقوق. على سبيل المثال، إذا رفعتَ فيديو يحتوي على أغنية تمتلكها إحدى شركات ا?نتاج الموسيقي، تستطيع الشركة التقدم بطلب لحذف الفيديو، ويمتثل يوتيوب بشكل تلقائي للطلب.
أما الطريقة الثانية لمتابعة حقوق الملكية الفكرية فقد أنشأها يوتيوب في عام 2007، وهي عبارة عن نظام مواز اسمه سجل المحتوى Content ID.
يتطلب استخدام نظام «سجل المحتوى» أن تكون شريكًا ليوتيوب Youtube partner.و«شركاء يوتيوب» هم مجموعة من صنّاع المحتوى أو مالكي حقوقه الفكرية، يتعاقدون مع يوتيوب للحصول على أموال مقابل عرض إعلانات على الفيديوهات التي يرفعونها على قنواتهم. ويحصل الشريك على صفحة «نظام ?دارة المحتوى CMS»، يرفع عليها كل المواد التي يمتلك حقوقها الفكرية ?ضافتها لـ«سجل المحتوى» (ولا يُشترط السماح للمستخدمين با?طلاع على هذه المواد).
«سجل المحتوى» هو قاعدة بيانات ضخمة بكل المواد المملوكة لشركاء يوتيوب، الذين يطلبون حماية حقوقها الفكرية من القرصنة، وتعمل كل مادة من مواد هذا السجل كملف مرجعي يجري استخدامه لمطابقة الفيديوهات ا?خرى التي تستخدم هذه المواد بأي شكل من ا?شكال. وطبقًا ?حصائيات يوتيوب، يزيد عدد شركاء يوتيوب عن 8000، ويحتوي سجل المحتوى على أكثر من 50 مليون ملف مرجعي نشط.
في كل مرة يرفع المستخدم فيديو جديدًا على يوتيوب، يقوم سجل المحتوى بمطابقته مع كل الملفات المرجعية بحثًا عن مقاطع صوت أو صور استُخدمت من قبل. وإذا عُثر على أي شكل من أشكال التماثل، يضيف يوتيوب هذا الفيديو إلى نظام إدارة محتوى الشريك الذي يملك حقوقه.
رسام الكاريكاتير أنديل الذي ينتج سلسلة من حلقات راديو بعنوان «راضيو كفر الشيخالحبيبة»، يحكي لـ«مدى مصر» عن تجربته مع إجراءات حماية الملكية الفكرية على يوتيوب. يقول إنه عندما بدأ في استخدام أغانٍ عربية كخلفية صوتية لفيديوهاته «بدأ يوتيوب في إرسال تحذيراته لي بعد دقائق من رفع الفيديو بأن المحتوى مملوك ?خرين، وأنه لا يمكنني جني أموال على مشاهداته».
عبر نظام إدارة المحتوى، يمكن للشريك تحديد ا?جراء المُتخذ ضد كل هذه الفيديوهات بشكل مسبق، أو تحديد إجراء لكل فيديو على حدة، كما يملك حق ا?بقاء على الفيديو أو حذفه أو تحويل عائدات الإعلانات المصاحبة له إلى حسابه. (بحسب إحصائيات يوتيوب، بلغت قيمة ما جرى تحويله، منذ بدأ برنامج سجل سجل المحتوى، من عائدات إعلانات على مواد جرى الادعاء بـ«انتهاكها» حقوق الملكية الفكرية لحسابات أصحاب هذه الحقوق ما يزيد عن ملياري دولار.)
يحصل شركاء يوتيوب على نصيب من عائدات ا?علانات التي تظهر على الفيديوهات التي رفعوها. ولا تُفصح شركة جوجل عن حجم عائدات ا?علانات على يوتيوب لكن تقديراتترجح أنها بلغت 8.5 مليار دولار في 2015.
بموازاة المحاولات العفوية لإنشاء محتوى عربي على يوتيوب، فقد كان الوعي بضرورة استخدام هذا المحتوى تجاريًا يزداد أيضًا
هيثم يحيى، المسؤول السابق لبرنامج شراكة يوتيوب في الشرق ا?وسط، يشرح لـ«مدى مصر» طريقة توزيع عائدات ا?علان على الشركاء: «لنفترض مثلًا أن أحد المعلنين دفع مليون دولار ليوتيوب ?غراض ا?علان، يحصل يوتيوب في هذه الحالة على 45% من هذا المبلغ –أي 450 ألف دولار– بينما يتوزع الباقي على الشركاء مالكي الفيديوهات التي عُرض عليها ا?علان، طبقًا لعدد المشاهدات التي حققها كل منها».
الخصوصية المصرية
تفسّر عائدات ا?علان الضخمة اهتمام أصحاب حقوق الملكية الفكرية المتزايد بالحفاظ على حقوقهم في يوتيوب، سواء بحذف المخالفات أو تحويل عائداتها لحساباتهم. لكن الحالة المصرية فيما يخص حماية حقوق الملكية الفكرية على يوتيوب تختلف عن مثيلاتها لعدد من ا?سباب.
«بعد ثورات الربيع العربي في 2011، شهد المحتوى العربي على يوتيوب ازديادًا كبيرًا»، يضيف هيثم، «فقد بدأ وقتها نشاط صناع المحتوى المخصص ليوتيوب، وباسم يوسف أحد أبرز ا?مثلة على هذا الصعود، لكن في المقابل فقد شهد يوتيوب ازديادًا في حجم المحتوى الذي يرفعه أطراف يمتلكون حقوق الملكية الفكرية لمحتواهم على يوتيوب كما يمتلكون نظام سجل المحتوى». أي أنه بموازاة المحاولات العفوية لإنشاء محتوى عربي على يوتيوب، فقد كان الوعي بضرورة استخدام هذا المحتوى تجاريًا يزداد أيضًا.
يعتبر هيثم أن هذه السنوات كانت ذهبية بالنسبة لصنّاع المحتوى العرب. حيث تمكن عدد كبير من تأسيس قنوات بإمكانها تحقيق قدر من العائدات يسمح لهم بمواصلة ا?نتاج.
لكن الزيادة الكبيرة في حجم المحتوى تسببت أيضًا في انخفاض حصص الشركاء من عائدات ا?علانات، ?نها أصبحت تتوزع على عدد أكبر منهم. «عائدات صنّاع المحتوى العرب انخفضت مع الوقت؛ مليون مشاهدة يحققها محتواك على يوتيوب كانت تمنحك 1000 دولار في 2011، انخفضت ا?ن لتصل إلى 70 دولار وربما أقل»، يقول هيثم.
كما شهدت ا?عوام ا?خيرة توسع نشاط شركات مصرية (تسمَّى Multi-channel networks) مثل شركتي QSoft و DigiSay، وتختص بإدارة حقوق الملكية الفكرية على يوتيوب (أو غيره) لصالح أصحابها، مقابل نسبة من العائدات.
يصف هيثم هذه الشركات بـ «سماسرة المحتوى». تتعاقد هذه الشركات معك إذا كنت صانعًا لمحتوى أو تمتلك حقوق الملكية الفكرية ?ي نوع من المواد التي يمكنها تحقيق مشاهدات، وتتولى عملية رفعها على نظامها ?دارة المحتوى وإدارة عائدات مشاهداتها وتتبع انتهاكات حقوق ملكيتها وتحويل عائداتها ?صحابها مقابل نسبة من كل هذه العائدات.
«هذه الشركات اتجهت للتعاقد على ملكية شريحة واسعة من المحتوى؛ هناك شركات حصلت على حقوق ا?غاني الشعبية، وأخرى على أغاني المهرجانات، وغيرها على ا?دعية وتسجيلات القرآن»، يشرح هيثم، «عائدات ا?علان على أي محتوى استخدم أي جزء من تسجيل قرآن لعبد الباسط عبد الصمد يجري تحويلها الآن لحساب شركة أصبحت تمتلك حقوق ملكيتها الفكرية».
كما شهدت السنوات السابقة توسع خدمات «الفيديو–حسب–الطلب VOD»، وهي خدمات تُمكّن المستخدم من اختيار ما يشاهده عليها من أفلام أو مسلسلات بعد اشتراك يدفعه لها.أبرز هذه الخدمات عربيًا هو «شاهد» المملوكة لمجموعة MBC السعودية. تفّضل MBCعدم عرض ما تنتجه على يوتيوب، وإنما على «شاهد»، ولهذا، وللاحتفاظ بقاعدة مشاهديها، تحذف أي انتهاكات لمحتواها على يوتيوب. أحد ا?مثلة على هذا هو «مسرح مصر»، وهو عرض مسرحي بدأت شبكة قنوات الحياة عرضه قبل شراء مجموعة MBCحقوق العرض منها. يقول هيثم إن شبكة قنوات الحياة اعتادت رفع حلقات «مسرح مصر»على يوتيوب وقت امتلاكها لحقوقه، لكن استحواذ MBC عليها تسبب في نقلها إلى«شاهد» والتوقف عن عرضها على يوتيوب، مع منع أية محاولة لإتاحته عليه.
نتج عن كل هذه ا?سباب توسع كبير في متابعة انتهاكات حقوق الملكية الفكرية من قبل مالكيها في مصر. ورغم أن تأثيرات هذا التوسع طالت الجميع، إلا أن أثرًا خاصًا يمكن ملاحظته على الصنّاع الصغار للمحتوى العربي.
فقد اتجهت شركات ا?نتاج وسماسرة المحتوى ومنصات الفيديو–حسب–الطلب للتعاقد مع النجوم الصاعدة في عالم المحتوى العربي على يوتيوب، ?نتاج محتوى تمتلك الشركات حقوقه مقابل نسبة من عائدات ا?علانات، مع وعود بحصة مضمونة من ا?علانات ودعاية للمحتوى على قنوات وشبكات أكبر.
يرى هشام عفيفي، صاحب أحد القنوات المصرية الشهيرة على يوتيوب، أن معظم هذه الوعود غير حقيقية، فيقول لـ«مدى مصر»: «إذا تمكنتَ من تحقيق مليون مشاهدة، ستدفع يوتيوب حوالي 100 دولار ولن تحصل كصانع محتوى سوى على نسبة منها»، كما يؤكد أن معظم صنّاع المحتوى ممن قرروا المضي في تعاقدات مع هذه الشركات فشلوا في رهانهم، مضيفًا أن هذه الشركات تتعمد مضايقة صناع المحتوى الذين يرفضون التعاقد معهم، عبر متابعة إنتاجهم والتبليغ عن أي محتوى ينتجونه إذا شمل جزءًا يمتلكون حقوقه.
يتفق هيثم مع عفيفي في أن هذا النشاط أثَّر سلبًا على إنتاج المحتوى العربي على يوتيوب، ويضرب مثلًا بعلاء الشيخ، صاحب قناة «المواطن المصري» والتي حققت شهرة واسعة خلال ا?عوام الماضية، حيث تعاقدت معه شركة QSoft ?نتاج محتوى لم يحقق أي نجاح.
يعتمد نظام يوتيوب للحفاظ على الملكية الفكرية على قانون أمريكي اسمه قانون ا?لفيةللملكية الرقمية، الذي يضمن حق الاستخدام العادل، وهو حق صنّاع المحتوى في استخدام أجزاء من محتوى يمتلك آخرون حقوق ملكيته الفكرية، وذلك ?غراض النقد أو التعليق أو التحليل أو السخرية، دون أن يُعتبر هذا خرقًا لحقوقهم. يقول هيثم إنه طبقًا للقانون، يحق لصانع المحتوى استخدام أقل من 30 ثانية من ا?عمال المملوكة ?خرين، إذا استُخدم في صنع محتوى جديد.
رغم اعتماد يوتيوب على القانون ا?مريكي، إلا أن النزاعات القضائية المتعلقة بحقوق المحتوى تُنظر في المحاكم المصرية واعتمادًا على القانون المصري، الذي لا يضمن حق الاستخدام العادل، وهو ما يجعل النزاعات القضائية بهذا الشأن غير ذات جدوى
تعد سياسات الاستخدام العادل عاملًا مهمًا في استمرار إبداع صنّاع المحتوى في إنتاج مواد جديدة، لكن التطبيق العملي لهذه السياسات يتسبب في إلحاق الضرر بطيف واسع من صنّاع المحتوى. في فيديو خُصص لمناقشة ا?زمة، يحكي صاحب أحد قنوات يوتيوب عن فيديو رفعه يتعرض بنقد سلبي لفيلم اسمه Cool Cat Saves The Kids مستخدمًا فيه حقه في الاستهلاك العادل. ولكن النقد لم يعجب مخرج الفيلم ديريك سافاج، الذي تقدم باتهام بخرق الفيديو لحقوق ملكيته الفكرية، ليُحظر الفيديو بعدها وينال صاحب القناة إنذارًا. تقدم صاحب القناة بتنويه مقابل، واستغرق ا?مر شهورًا حتى تمكن من استعادة الفيديو. يقول صاحب القناة إن مخرج الفيلم لم يضطر لإبداء أي دليل على ادعائه أو إثبات صحة موقفه أو القلق من أي عواقب ما إذا ثبت عدم صحة ادعائه.
ورغم الانتقادات الموجهة لعدوانية أصحاب الحقوق وسياسات يوتيوب تجاه حق الاستخدام العادل، إلا أن ا?زمة أكبر في مصر.
يشرح هيثم أنه على الرغم من الصعوبات التي يواجهها المستخدم فيما يتعلق بسياسات الاستخدام العادل على يوتيوب في الخارج، إلا أنه في النهاية، بإمكان المستخدم اللجوء لنظام قضائي قد يحكم له بتعويض عن الضرر الذي لحق به، إذا حرمه مالك حقوق المادة من حقه في الاستخدام العادل.
في المقابل، فإن ضعف النظام القضائي المصري وانتشار الفساد يجعل هذا النوع من النزاعات أمرًا مستحيلًا، خصوصًا بالنسبة لصنّاع المحتوى الصغار.
والسبب كما يشرحه مصطفى شعبان، مسؤول علاقات العملاء بشركة DigiSay، لـ«مدى مصر»، هو أن رغم اعتماد يوتيوب على القانون ا?مريكي، إلا أن النزاعات القضائية المتعلقة بحقوق المحتوى تُنظر في المحاكم المصرية واعتمادًا على القانون المصري.
والقانون المصري المقصود، كما يشرح لـ«مدى مصر» محمود عثمان، المحامي بمؤسسة حرية الفكر والتعبير، هو قانون 82 لسنة 2002 بشأن حماية حقوق الملكية الفكرية.
يضيف شعبان أن القانون المصري لا يضمن حق الاستخدام العادل، وهو ما يجعل النزاعات القضائية بهذا الشأن غير ذات جدوى.
ويوضح أن غياب سياسة الاستخدام العادل يتسبب في وضع صنّاع المحتوى في مواجهة غير عادلة مع ملاك الحقوق الفكرية. «مع غياب ثقافة تقبل النقد في مصر، يتجه ملاك الحقوق الفكرية لحذف أي محتوى لم يعجبهم»، يقول شعبان، «في بعض ا?حيان يطلب ملاك الحقوق حذف محتوى بسبب تحفظهم على عنوان الفيديو بغض النظر عن مضمونه».
يشير محمود عثمان لتوصيات أصدرتها المقررة الخاصة في مجال الحقوق الثقافية في ا?مم المتحدة بشأن «سياسة حقوق التأليف والنشر والحق في العلم والثقافة» في ديسمبر2014، وأشارت فيها إلى ضرورة دعم سياسة الاستخدام العادل في البنى القانونية للدول المختلفة. كما يرى أن القانون المصري يؤدي لنمو نوع من الرقابة الذاتية على المبدعين المصريين، فصانع المحتوى يفكر كثيرًا قبل نشر محتواه خوفًا من انتهاكه الحقوق الملكية لآخرين، كما أنه بمجرد امتلاكه لحقوق محتواه يصبح أكثر تشددًا في الحفاظ عليها.
يوتيوب بدأ كمنصة مستقلة عن التلفزيون، لكنه يأخذ الآن في التحول هو نفسه إلى تليفزيون
كل هذه ا?سباب اجتمعت لتشهد مصر خلال السنوات الماضية نشاطًا كبيرًا في الحفاظ على حقوق الملكية الفكرية للمحتوى العربي على يوتيوب، ما تسبب في تضييق مساحة إنتاج المحتوى على صنّاعه الصغار، والذين شهد ا?نترنت ارتفاعًا كبيرًا في إنتاجهم، خصوصًا في السنوات التالية للثورة. طبقًا لهيثم، فإذا بلغت عائدات ا?علان المستحقة لأصحاب المحتوى مليون دولار، فنصفها يذهب لملاك حقوق الملكية الفكرية الكبار، وحوالي 40% للشركات «سماسرة المحتوى»، بينما يذهب الباقي لصناع المحتوى الصغار والمستقلين. ويصف العائدات التي أصبح الصغار يتحصلون عليها بـ «الفتات».
الطموح: تليفزيون جديد
يرى أنديل أن الشركات تمكنت من السيطرة على ا?فراد، ?ن الوضع القائم مربح للغاية بالنسبة لها، وهو ما أثر بشكل كبير على المحتوى، «بصريًا وصوتيًا وجماليًا، كل شئ أصبح تجاريًا»، ويضيف أن يوتيوب بدأ كمنصة مستقلة عن التلفزيون، لكنه يأخذ الآن في التحول هو نفسه إلى تليفزيون.
القانون المصري يؤدي لنمو نوع من الرقابة الذاتية على المبدعين المصريين، فصانع المحتوى يفكر كثيرًا قبل نشر محتواه خوفًا من انتهاكه الحقوق الملكية لآخرين، كما أنه بمجرد امتلاكه لحقوق محتواه يصبح أكثر تشددًا في الحفاظ عليها
وهو ما يؤكده هيثم بقوله إن تخطيط يوتيوب لمستقبله يمكن اختصاره في تحوله إلى «تليفزيون». «هناك ا?نيوتيوب Red وهو جزء من يوتيوب يتطلب اشتراكًا ماديًا للإطلاع على محتواه»، يقول هيثم. يضيف أيضًا أن هناك«تضييقًا مقصودًا على صناع المحتوى الصغار يذهب بهم في اتجاه أن يصبح كل المحتوى باشتراك مادي».
يستطرد هيثم في شرح خطورة هذا التوجه على ا?نترنت ككل وليس على يوتيوب فقط: «شكّل ا?نترنت ببدايته المفتوحة نقلة حضارية كبيرة تسببت في حراك سياسي وثقافي واجتماعي استفاد منه جيلنا بشكل كبير؛ علاقات ا?علام تحولت من كونها موجهة إلى تبادلية. بدل ما كنا بنتفرج على برنامج اخترنا لك، دلوقتي بقينا احنا بنختار اللي نتفرج عليه».
لكن كل شئ يتغير ا?ن؛ يتجه ا?علام على ا?نترنت ليصبح موجهًا مرة أخرى حسبما يرى. «هناك محاولات مستميتة لتحويل ا?نترنت لمشاريع رأسمالية مغلقة. قبل هذا كنا قادرين على ا?طلاع على أي محتوى، لكن المحتوى يتجه ليصبح مصممًا من قبل آخرين كي نشاهد ما يختاروه لنا». ونتيجة لهذا الاتجاه، يخلص هيثم –ويتفق أنديل وعفيفي معه–أن يوتيوب انتهى كمنصة لصناعة المحتوى المستقل.