قليلة هي الكلمات العذبة حين تسقط على مسامعنا، فتجدد الآمال، وتأجج المشاعر، للكلمة نور وسحر، فالحب كلمة والسلام كذلك والله سلام ومحبة، الله عادل، والعدل سيد الكلمات، وما دام كذلك فليس من الغريب أن يصبح ناشدوه شعراء، وما أحلى الشعر حينما يخرج من بين شفتي قاض يحكم بالعدل، وما أشمخ القضاء عندما يكون مصريًا.
فكلمات القاضي المستشار أحمد الشاذلي الذي أيد خلالها حكم القضاء الإداري ببطلان اتفاقية تعيين الحدود البحرية بين مصر والسعودية، وقعت صباح أمس على مسامع المصريين، وقع قصيدة مفعمة بخلاصة الحكم المنسوجة بعبارات رشيقة ومطرزة بالصور الجمالية، حفرت كلماته تلك ملامح وجهه المصرية الخالصة في ذهن الكثيرين حين قال بشهامة المؤمن بواجبه ورسالته: "بعد ثورة الشعب "25 يناير- 30 يونيو" وهى ثورة وصفتها ديباجة الدستور بأنها فريدة بين الثورات الكبرى فى تاريخ الإنسانية، بكثافة المشاركة الشعبية التي قُدّرت بعشرات الملايين، وبدور بارز لشباب متطلع لمستقبل مُشرق، وبتجاوز الجماهير للطبقات والأيدولوجيات نحو آفاق وطنية وإنسانية أكثر رحابة وبحماية جيش الشعب للإرادة الشعبية.
وهذا الدستور استولد عنه نظام قانوني جديد ألبس الفصل بين السلطات ثوبًا جديدًا، وتحددت فيه حدود سلطات الدولة دون تغول من سلطة على سلطة أخرى، وأعلى من شأن حق الإنسان المصري في المشاركة السياسية والاجتماعية والاقتصادية لبناء دولته الجديدة مصطحبًا تاريخ مصر الخالد وحضارتها العظيمة وموقعها الجغرافي المتميز، وقدم وعراقة شعبها واَصالته، وطبيعته وطبيعة تكوينه الفريد والمتنوع والذى يمثل سمة من سماته ويستعذب أصالته كل من سرى في شرايينه مياه النيل مسرى الدم"، ابتلع المستمعون بهذا التقديم أنفاسهم واستعذبوا الكلمات وبعد أن أوضح حيثيات الحكم ترقبوا أنشودته الأخيرة.
الشاذلي.. فنان رسم حدود الوطن بدماء الشهداء
حيث قال خلالها "وبهذه المثابة يكون الإجراء الإداري الذى سمته الحكومة المصرية في تقرير طعنها اتفاقًا مبدئيًا بترسيم الحدود وما نتج عنه من تنازل عن الجزيرتين –أيًا كانت المبررات الدافعة إليه– حال كونهما ضمن الإقليم المصري مخالفًا للدستور والقانون لوروده على حظر دستوري مخاطبًا به السلطات الثلاث، والشعب ذاته، ولانطوائه على خطأ تاريخي جسيم -غير مسبوق– يمس كيان تراب الوطن المملوك للشعب المصري فى اجياله السابقة وجيله الحالي والأجيال القادمة وليس ملكًا لسلطة من سلطات الدولة، ولذا فإن الحفاظ عليه والدفاع عنه فريضة مُحكمة وسُنة واجبة، فهذا التراب أرتوى على مر الزمان بدماء الشهداء التي تُعين وتُرسم حدوده، باق وثابت بحدوده شمالًا وجنوبًا، شرقًا وغربًا، وسلطات الدولة متغيرة" زلزلت الكلمات القاعة وخرجت منها لتهز مشاعر المصريين في مختلف أنحاء مصر.
المستشار سعد عبدالواحد مستهزئًا بوعود نظام مبارك: "تمخض الجبل ليلد فأرًا"
عبارات "الشاذلي" الرنانة تلك تستطيع ببراعة أن تنقل من يسمعها إلى قصيدة أخرى أنشدها المستشار الجليل سعد عبد الواحد في العام 2002 أثناء قراءته لديباجة حيثيات الحكم ببراءة صغار الموظفين في حادث قطار الصعيد، فقال "عبد الواحد" حينها: "وحيث إن المحكمة في ظل كل ما جرى وعلى ضوء ما انتهت إليه تحقيقاتها وما أوردته في أسبابها ترى لزاما عليها أن تقر أن العدالة وساحات القضاء كلت وملت من هذا الأسلوب الهزيل والمسرحيات الهزلية التي يحملها المسئولون من وقت إلى آخر إلى ساحات العدالة لتبرير الغوار الذي أصاب المجتمع ومرافقه المتصلة بالجمهور لتبرير سلبيات الأداء وفشل القيادات التي تضعها الدولة على رأس هذه المرافق التي تخدم جمهور المواطنين وهي ملك لهم وثروة البلاد القومية.
لقد آن لهذا المسلسل المهين أن ينتهي، فالواقعة الماثلة تنطق بالسلبية وعدم احترام لعقل الرأي العام عن أسباب الحادث وتداعياته وأبسطها الإهمال والتسيب الذي استشرى في كل المرافق التي تخدم الجمهور في حين يكتفي المسئولون كبارهم وصغارهم بالتصريحات الصحفية والتليفزيونية بالصوت والصورة، أن أحدا لن يفلت من العقاب وأن الحكومة ستفعل كذا وكذا وستدبر المليارات لخدمة المواطن والمرافق التي يستخدمها، فتمخض الجبل ليلد فأرا ويجيئوا إلى ساحات العدالة بصغار صغار المسئولين ليكونوا الشماعة التي تعلق عليها السلطات صاحبة القرار في الدولة أخطائها وسلبياتها، يأتون بالصغار والكادحين ومن لا دراية ولا قدرات لهم ليقفوا خلف القضبان سجناء الظلم والقهر والمسئول الحقيقي طليق.
فالكل في هذا السياق مسئول والقيادة التي اختارت هؤلاء المسئولين الفاشلين والحكومة التي لم توفر لهذا المرفق الاعتمادات اللازمة لتطويره والنهوض به ولم توفر الحد الأدنى لتيسيره حتى توفر للمواطن الفقير الحد الأدنى من الأمان "، انتشرت كلمات عبد الواحد حينها كما انتشار قصائد أمل دنقل الوطنية، حيث جاءت الصياغات بليغة تنتصر للعدالة وتنتصر لأنين الشعب في ظل نظام غاشم أطاحت به فيما بعد ثورة يناير المجيدة.
أحمد رفعت: في 25 يناير أطلت على مصر شمس يوم جديد لم تره من قبل
ومن ثورة يناير المجيدة تتكاثر القصائد لتكوِّن ملحمة شعرية بديعة تليق بمجدها، ويتبلور في أذهان المصريين صورة شاعر بطل جديد من أبطال القضاء الشامخ وهو المستشار أحمد رفعت في حيثيات حكم إدانة الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك ونجليه في قتل متظاهري ثورة الخامس والعشرين من يناير، حيث قال رفعت: "بزغ صباح يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من يناير 2011 وأطلت على مصر شمس فجر جديد لم تره من قبل، أشعته بيضاء حسناء وضاءة تلوح لشعب مصر العظيم بأمل طال انتظاره ليتحقق مع نفاذ أشعتها شعاع وضاح وهواء نقى زالت عنه الشوائب العالقة فتنفس الشعب الذكي الصعداء بعد طول كابوس ليل مظلم لم يدم لنصب يوم كالمعتاد وفق نواميس الحياة، ولكنه أخلد لثلاثين عاما من ظلام دامس حالك أسود أسود أسوداد ليلة شتاء قارص بلا أمل ولا رجاء أن ينقشع عنها إلى صباح مشرق بضياء ونضارة وحياة.
وهكذا كانت إرادة الله فى علاه إذ أوحى إلى شعب مصر وأبنائها البواسل الأشداء تحفهم ملائكة الحق سبحانه وتعالى لا يطالبون برغد العيش وعلياء الدنيا بل يطالبون ساستهم وحكامهم ومن تربعوا على عرش النعم والثراء والسلطة أن يوفروا لهم لقمة العيش يطعمنهم من جوع ويسد رمقهم ويطفئ ظمأهم بشربة ماء نقية ويسكنهم بمسكن يلمم أسرهم وأبناء وطنهم من عفن العشوائيات وانعدام آدميتهم بعد أن افترشوا الأرض وتلحفوا بالسماء وشربوا من مياه المستنقعات وفرصة عمل لعاطلين بالملايين تدر عليهم رزقا كريما حلالا يكفى بالكاد لسد حاجاتهم وتوفير قوت يومهم وانتشالهم من هوة الفقر السحيق إلى الحد اللائق بإنسانيتهم سالمين سالمين سالمين منادين سلمية سلمية سلمية تملأ أفواههم حين كانت بطونهم خواء وقواهم لا تقوى على المناضلة والجهاد صارخين مستصرخين ارحمونا يرحمكم الله انقذونا أغيثونا انتشلونا من عذاب الفقر وهوان النفس وعيشة الذل وقد كواهم تردى حال بلدهم وطنهم مصر العزيزة عليهم اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا وتعليميا وأمنيا وانحدر بها الحال إلى أدنى الدرجات بين الأمم وهى التى كانت شامخة عالية يشار إليها بالبنان مطمع الغزاة والمستعمرين بموقعها وخيراتها فأصبحت تتوارى خلف أقل وأبسط الدول المتخلفة فى العالم الثالث.. ماذا جرى لكِ يا مصر.. يا من ذكرك الله فى كتابه العزيز بالأمن والسلام"، والكلمات العذبة تطول وتطول مع أنشودة "رفعت" التي لم يكن يتمنى وطني أن تنتهي إذ أرخت تلك الكلمات فترة قاسية عانت فيها مصر من الفساد المترهل في جميع مؤسساتها، غلفت ديباجته استعارات أدبية عديدة تدخله كنص أدبي تحتفي به المكتبة العربية.
المستشار محمد عبدالغني يطارد الحرس الجامعي وينتصر لحرية الإبداع والابتكار
في العام 2010 رسمت كلمات المستشار محمد عبد الغني السعادة على وجوه طلاب وأساتذة جامعة القاهرة في حيثيات حكمه بطرد الحرس الجامعي المكون من أفراد الشرطة حيث قال: "إن وجود قوات للشرطة تابعة لوزارة الداخلية متمثلة في إدارة الحرس الجامعى داخل حرم جامعة القاهرة وكلياتها ومعاهدها بصفة دائمة، يمثل انتقاصا من الاستقلال الذى كفله الدستور للجامعة، وقيدا على حرية الأساتذة والباحثين والطلاب فيها، وهم يرون أن ثمة جهة أخرى لا تتبع الجامعة متواجدة بصفة دائمة داخل الجامعة تراقب تحركاتهم وتتحكم فى ممارستهم لأنشطتهم بالمنح أو المنع، فتقل من عزائمهم وتخبو آمالهم وتتبدد طاقاتهم هباء بدلا من أن تنطلق نحو الإبداع والابتكار، لتؤثى ثمارها فى رقى الفكر وتقدم العلم وتنمية القيم الإنسانية".
للحديث عن العدل بلاغة لا يتقنها إلا المؤمنين بأن الشعب مصدر جميع السلطات فمثلما وجه طه حسين حديثه عن العدل في مقدمة كتابه "المعذبون في الأرض" إلى الذين يحرقهم الشوق إلى العدل، وإلى الذين يؤرقهم الخوف من العدل، وإلى الذين يجدون ما لا ينفقون، وإلى الذين لا يجدون ما ينفقون، إلى كل هذه الطوائف يجب أن توجه رسائل ويجب أن تحوي ديباجتها جمالا يليق بجماله.