فقدت ثورة 25 يناير بوصلة المستقبل حين توارى هتاف قوى الثورة الوطنية والديمقراطية: ارفع رأسك فوق.. أنت مصرى؛ وارتفع هتاف القوى الفاشية والتكفيرية: ارفع رأسك فوق.. أنت مسلم! فقد انزلقت النخبة أسيرة أيديولوجياتها المغلقة أو مصالحها الذاتية للتحالف مع الفاشية والتكفيرية التى اختطفت الثورة، ووقع الشعب فى شراك خديعة المتاجرة بالدين، وحسم المجلس العسكرى قراره بتجنيب مصر ويلات حرب أهلية. ثم كانت ثورة 30 يونيو، التى خطت خطوة تاريخية على طريق بناء دولة المواطنة بحماية الوحدة الوطنية والسيادة الوطنية والسلم الأهلى، لكنها فقدت بدورها بوصلة المستقبل، التى أراها فى استهداف بناء دولة المواطنة بمفهومها الأوسع.
وأسجل أولا، أنه على خصوم ثورة 25 يناير ومن توهموا صناعتها من النشطاء إدراك أنها لم تكتسب معنى الثورة إلا حين انضم اليها عشرات الملايين من المصريين يهتفون بسقوط حكم مبارك، تماما كما لم تكتسب ثورة 30 يونيو معنى الثورة إلا حين انضم اليها عشرات الملايين من المصريين يهتفون بسقوط حكم المرشد، وهى حقيقة ينكرها أعداؤها. وينسى المُغرِضون والمُضَلَلون أن الانتصار لإرادة الشعب من قبل قواته المسلحة فى الثورتين هو ما أنقذ مصر من أهوال حرب أهلية، وفتح طريق التقدم نحو بناء دولة المواطنة، بدءا من إسقاط مشروع التوريث المهين، ومرورا بإسقاط حكم الفاشية التكفيرية، وحتى قطع الطريق على مخطط تفكيك وتركيع واستنزاف مصر. وقد استجاب السيسى لإرادة الشعب حين قاد الحرب ضد الإرهاب، وانتصر للوحدة الوطنية، وتصدى للضغوط الدولية التى استهدفت إعادة تمكين جماعة الإخوان بغية تفكيك وتركيع مصر، والضغوط الإقليمية التى سعت لتوريط جيش مصر فى حروب تفكيك الدولة الوطنية فى سوريا واليمن. وفى هذا السياق، ينبغى فهم- ولا أقول التسليم بحتمية- عدم التوازن بين الأمن والحرية. لكنه لا ينبغى قط نسيان معنى الثورة: أن الشعب لن يقبل إدارة الدولة بالأساليب التى فجرتها وتكريس الأوضاع التى ولدتها.
وثانيا، أن المصريين قد برهنوا على وطنيتهم وحالوا دون استغلال جماعة الإخوان لمعاناتهم حين تحملوا ما لا يحتمل من غلاء تكاليف المعيشة ونقص فرص العمل وتدنى مستويات الدخل، ومن ثم اتساع صفوف من يعانون الفقر المطلق والفقر النسبى. وفى تقديرى أن برنامج الإصلاح المالى والنقدى- وإن ارتبط باتفاق مع صندوق النقد الدولى- لم ينطلق من نظرية التنقيط المتهافتة؛ أى مضاعفة ثراء الأثرياء حتى يمكنهم الاستثمار فتتساقط ثمار النمو على الفقراء! وإنما كان الدافع مواجهة الاختلالات الجسيمة فى موازنة الدولة والميزان التجارى وميزان المدفوعات والاحتياطى من النقد الأجنبى. وهى اختلالات موروثة- وإن تفاقمت بعد الثورة المصرية كما فى أعقاب كل الثورات- تجسد واقع أن مصر تستهلك أكثر مما تنتج، وتدخر أقل مما تستثمر، وتصدر أقل مما تستورد. والآن قبل الغد ينبغى تحقيق التناسب بين الاستثمار فى البنية الأساسية والاستثمار فى زيادة إنتاج وإنتاجية الاقتصاد الحقيقى الصناعى والزراعى؛ وإن بقى الطريق شاقا وطويلا لتعزيز الأمن الاقتصادى لمصر والأمن الإنسانى للمصريين بتجاوز إخفاقات التنمية والتصنيع.
وثالثا، أنه مهما تكن تحديات وأزمات وصعوبات الحاضر ليس ثمة قضية ينبغى أن تشغل بال المصريين أهم من مستقبل مصر, لكن الخلاف فى الرؤى يبدأ حين تفرض نفسها على الفكر والعمل أسئلة فى مقدمتها: ما المقصود بالتقدم؟ وكيف يتحقق التقدم؟ وفى الاجابة عن سؤال: ما المقصود بالتقدم؟ أزعم أنه التقدم الشامل الذى يستهدف بلوغ أرقى ما حققته المجتمعات المتقدمة فى عالمنا المعاصر من انجازات. وهذا التقدم الشامل, الذى أراه عنوان انتصار الثورة المصرية فى 25 يناير و30 يونيو، لا يتحقق باستهداف إنجاز دون آخر من إنجازات التقدم الإنسانى، من تحرر وسيادة وحرية وعدل وكرامة ومساواة وتصنيع ومعرفة. وفى الاجابة عن سؤال: كيف يتحقق التقدم؟ أزعم أن عنوانه هو بناء دولة المواطنة، وهو ما يتحقق حين تتمكن مصر من: بناء دولة مواطنيها، بتعزيز الاستقلال السياسى والسيادة الاقتصادية؛ دولة كل مواطنيها، باحترام حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والمدنية والثقافية دون تمييز أو تهميش. وفى هذا السياق، أعلن باستقامة أن البناء يبدأ باعلاء الشرعية الدستورية.
ورابعا، أن ثقتى فى جدارة المصريين بتقديم مثال دولة المواطنة للعالم بأسره استمدها من تاريخهم. فالمصريون، كما سجل بريستد فى كتابه فجر الضمير، كانوا أقدم مجتمع على الأرض استطاع أن يضمن لنفسه غذاءً ثابتاً من نبات وحيوان، وطوَّع المعادن، واخترع أقدم نظام للكتابة، فامتلكوا كل الأسس اللازمة لصنع الحضارة. وقد اندمج المصريون فى أول أمة موحدة تحت حكومة مركزية قوية، تُعَدُ أقدم نظام إنسانى معروف وبدأ المصريون تطويرا هائلا فى نظام الحكم والاقتصاد والاجتماع والدين والعمارة والفن والأدب، فى مرحلة فريدة من حياة الإنسان، لم يكن لها مثيل فى العالم القديم. والذى يعرف قصة تحول المصريين إلى ملوك ورجال سياسة وعمارة ومهندسين وزراع وصناع وحكماء فى جماعة منظمة عظيمة، مشيدين العجائب على ضفاف نيل مصر.. يعرف قصة أول ظهور للحضارة وأول بزوغ للضمير على وجه الأرض. وكما يسجل مارييت فإن مصر لا تشرق بضع لحظات ثم تغيب فى ليل طويل، فقد واصلت عملها سبعين قرناً. وفى هذا السياق، كتبت أن أهم درس تعلمته من إعادة زيارة تاريخ مصر: أنه كلما بدا للبعض أنه لن تقوم لها قائمة، تنهض جبارة عفية، تبهر الصديق قبل العدو.