إذاعة ونشر أى مكالمات شخصية لأى فرد غفيرا كان أو وزيرا او رئيسا، مؤيدا او معارضا، من دون إذن قانونى جريمة مكتملة الأركان، وسقطة أخلاقية لا تغتفر، وينبغى ادانتها بأقوى العبارات الممكنة.
بجانب ذلك، دعونا نحسبها ونناقشها من زاوية مصلحية نفعية بحتة ونسأل: من الذى كسب ومن الذى خسر من التسريبات الأخيرة للدكتور محمد البرادعى، مع بعض أقاربه وأصدقائه وتتعلق برأيه فى سياسيين وإعلاميين وشخصيات عامة كثيرة؟!.
بداية أتصور أن الذى اتخذ قرار إذاعة هذه التسريبات مساء السبت، فكر بأن ظهور البرادعى المفاجئ ــ بعد ثلاث سنوات من الصمت ضيفا على مدار خمسة أسابيع، كل سبت على فضائية «العربى» التى تبث من لندن، ومحسوبة على جماعة الاخوان ــ ليس صدفة، بل فى إطار حملة إقليمية وربما دولية لمنع ترشح الرئيس عبدالفتاح السيسى لفترة رئاسية ثانية، وبالتالى تصور ان البرادعى سوف يستغل هذه النافذة الأسبوعية «للشوشرة» على النظام والحكومة وفتح ملفات قديمة.
هذا التصور يرى ضرورة «فضح» البرادعى كل سبت، قبل أن يقوم هو بالحديث فى أى موضوع، وبالتالى وبدلا من ان ينشغل الناس بما سيقوله البرادعى فى «فضائية العربى»، سوف ينشغلون أولا بما قاله البرادعى عن أصدقائه وأصحابه وعن السياسيين والإعلاميين المصريين عبر التسريبات التى تبثها قناة «صدى البلد».
الآن نعود مرة أخرى ونسأل من الذى كسب ومن الذى خسر من إذاعة هذه التسريبات؟.
فيما يتعلق بالبرادعى ــ وإذا افترضنا أن التسريبات لم تتعرض للمونتاج من قص ولزق ــ فإن صورته تعرضت للضرر، لأنها أظهرته أنه بلا صاحب وأنه يحتقر الجميع تقريبا من أنصاره ومريديه وكل الذين عملوا معه فى المعارضة ضد حسنى مبارك أو فى مرحلة ما بعد ثورة 25 يناير مباشرة.
كما أن هذه التسريبات عززت من الانطباع بأنه ليس سياسيا بالمرة بل هو «رجل مفاهيم وقضايا كلية»، كما قال عن نفسه بكل صدق فى الحلقة الأولى من حواره مع خالد الغرابلى فى فضائية العربى.
جميعنا خاسر من هذه التسريبات، والخاسر الأكبر هو الدولة والمجتمع المصرى والنخبة التى ظهرت مهترئة، وكل ما يتعلق بالقيم والأخلاق، فعندما تتكرر مثل هذه التسريبات، وتبدأ غالبيتنا فى التعامل معها باعتبارها امرا طبيعيا، فهذا يعنى امرا واحدا وهو أننا قد تعودنا على التعامل مع القبح باعتباره فضيلة!.
لن أكرر ما قاله كثيرون من حرمة الحياة الخاصة التى كفلها القانون أو الدستور، لكن نحن ننجرف بسرعة قصوى نحو منحدر بلا قاع، ومن يعتقد أنه يكسب اليوم بهذا الأسلوب، فربما ينقلب عليه غدا، والخاسر فى هذه الحالة ليس الأشخاص، بل المجتمع المصرى بأكمله خصوصا الجيل الجديد الذى نربيه الآن على قواعد التجريس والفضح والردح وليس الستر والأدب والأخلاق.
ظنى الشخصى أن البرادعى الذى لعب دورا محوريا فى قيادة ثورة 25 يناير قد تقلص دوره كثيرا بعد الثورة، حينما انحسر المشهد السياسى عن قوتين أساسيتين هما القوات المسلحة وجماعة الإخوان، ثم ازداد هذا التقلص حينما انسحب من الترشح على منصب الرئاسة. ثم عاد هذا الدور قليلا حينما شارك فى جبهة الإنقاذ ضد جماعة الإخوان، وكان أحد الفاعلين الأساسيين يوم إخراجهم من السلطة فعليا فى 3 يوليو 2013.
وحينما استقال من منصب نائب الرئيس فى فض اعتصام رابعة العدوية فى 14 أغسطس 2013 وغادر البلاد ــ لأنه حاول الاتساق مع نفسه ــ فقد تلاشى دوره إلى حد كبير، رغم ان كثيرين من انصاره غضبوا منه وقتها.
المفروض ان الواقع بأكمله قد تغير، وجرت فى النهر مياه كثيرة وبالتالى فأغلب الظن أن الذين أرادوا الرد على البرادعى عبر هذه التسريبات ربما يكونون قد قدموا له خدمة العمر، مرة أخرى، حيث سيظهر باعتباره فردا فى مواجهة دولة وحكومة وأجهزة.
ورغم كل ما سبق وبعيدا عن أى تحليل أو تنظير فإن الكارثة الكبرى هى أخلاقنا التى سقطت وثقافة العشوائيات والتكاتك التى صارت تقودنا إلى هاوية لا نعرف نهايتها.