عهد جديد تتأهب له العلاقات السعودية اللبنانية، بعد عام مترنح بين التوترات الدبلوماسية تارة، وفراغ القصر الرئاسي تارة أخرى، إلى أن جاء الرئيس اللبناني الجديد ميشال عون، ليضمد شروخ الماضي، ويرسي أسسًا لمستقبل مغاير لما سبقه.
وفي أولى جولاته الخارجية، أعلنت الرئاسة اللبنانية في بيان رسمي، أن ميشال عون سيتوجه لزيارة المملكة العربية السعودية الإثنين المقبل، لعقد قمة مع العاهل السعودى الملك سلمان بن عبد العزيز.
تأتي زيارة الرئيس اللبناني للرياض، لتطرح العديد من التساؤلات حول مصير العلاقات السعودية الإيرانية، لا سيما في ظل التقارب الإيراني مع الزعيم اللبناني الجديد، عقب إعلان حسن نصر الله الأمين العام لـ"حزب الله"، دعمه لترشح العميد ميشال عون لمنصب رئاسة الجمهورية.
ويعد "حزب الله" صمام الأمان للقوة الإيرانية في قلب الشرق الأوسط، ويلتزم "حزب الله" اللبناني بمبادئ الثورة الإسلامية في إيران، ويعتقد بولاية الفقيه، إذ يتخذ منتسبو الحزب وأنصاره من الولي الفقيه مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية علي خامنئي، مرجعاً تقليديا لهم.
ولمواجهة نفوذ "حزب الله" في لبنان، دعمت السعودية مجموعة متنوعة من السياسيين داخل لبنان، أبرزها عائلة الحريري، ومنهم رئيس الوزراء السابق سعد الحريري ووالده رفيق، الذي كان رئيسًا للوزراء، وقتل في تفجير هائل بشاحنة مفخخة في عام 2005.
وصل الخلاف السعودي اللبناني إلى ذروته في أوائل العام الماضي، وذلك عقب حادث الهجوم الإيراني على السفارة السعودية في طهران يناير 2016، وهو ما أدانه وزراء الخارجية العرب وسط تحفظات من دولة لبنان، في حين أعلنت السعودية قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران.
وفي إطار ردها على عدم إدانة بيروت لهذه الهجمات، أعلنت المملكة في فبراير الماضي، إيقاف المساعدات التي تعهدت بها للبنان عام 2013 لشراء أسلحة فرنسية وقيمتها ثلاثة مليارات دولار أمريكي، وذلك على خلفية المواقف اللبنانية المناهضة للمملكة في أزمتها مع إيران.
الدكتور مختار غباشي، نائب رئيس المركز العربي للدراسات الاستراتيجية، أكد أن زيارة الرئيس اللبناني ميشال عون للمملكة العربية السعودية، غاية في الأهمية إذ إنه من الصعب أن تبتعد بيروت عن الرياض، لا سيما أن مشتريات الأمن اللبنانية تأتي في أغلبها من المملكة العربية السعودية، فضلًا عن أن رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري ووالده رفيق الحريري، كلاهما يحمل الجنسية السعودية بشكل أو بآخر.
وأضاف في تصريحات خاصة لـ"الدستور"، أنه من الأهمية أن ترسخ لبنان لعلاقات طيبة واستراتيجية مع الرياض، لافتًا إلى أن التوترات الأخيرة الطارئة على العلاقات الثنائية نظرًا لعدم تصويت بيروت على إدانة الهجوم الإيراني على السفارة السعودية في طهران، كان مشهدًا استثنائيًا جاء بضغوط من إيران.
وفيما يخص مستقبل العلاقات السعودية الإيرانية، أوضح الغباشي، أنه من الممكن أن تلعب بيروت دورًا في الوساطة بين الرياض وطهران، إلا أن الفجوة بين البلدين ليست سهلة، ولن تنتهي بشكل من أشكال الوساطة، وإنما يتطلب الأمر مباحثات للتفاهم بين البلدين، خاصة في ظل التغلغل الإيراني داخل العديد من ملفات المنطقة، مثل حزب الله في لبنان، والحشد الشعبي في العراق، بالإضافة إلى القلق المشتعل في البحرين.
من جانبه صرح الدكتور، طارق فهمي أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، بأن زيارة الرئيس اللبناني للرياض سوف تكون زيارة مفصلية وهيكلية بين الرياض وبيروت، كما تحمل العديد من التوقعات الإيجابية، وستكون بمثابة نقطة فاصلة تبنى عليها العلاقات الثنائية بين البلدين.
وأضاف في تصريحات خاصة لـ"الدستور"، أن الأمر لن يتوقف على محاولة إعادة تجديد الدور السعودي في لبنان، ولكن سيرتبط بتفاعلات جديدة لإعادة ترتيب السياسات في المنطقة، مشيرًا إلى أن الزيارة تأتي في إطار دعم المملكة العربية السعودية لبيروت، كما يرى البعض أن ذلك يأتي في إطار حضور دور سعودي جديد في لبنان، وشدد على أن العلاقات الثنائية بين البلدين سوف تشهد طفرة خلال هذه الزيارة.
واستبعد فهمي، أن تلعب بيروت دورًا للوساطة بين الرياض وطهران، وإنما يرتبط الأمر بما يمكن أن تمثله النقلة النوعية بين السعودية ولبنان على إيران، منوهًا إلى أن طهران ستكون حاضرة بقوة في أي تطور للعلاقات بين السعودية ولبنان.