الخميس 2 يوليه 2026 — القاهرة

هرم الزجل "بيرم التونسي".. هرب من التعليم ليكابد جحيم الطفولة البائسة.. ورحيل أمه دفع بزواجه مبكرًا.. سيد درويش تأشيرة نجاحه.. وثورة يوليو ضمدت جراح نفيه

هرم الزجل "بيرم التونسي".. هرب من التعليم ليكابد جحيم الطفولة البائسة.. ورحيل أمه دفع بزواجه مبكرًا.. سيد درويش تأشيرة نجاحه.. وثورة يوليو ضمدت جراح نفيه
"فنان ثائر، عاش طوال حياته يعاني العرق والقلق، وشظف العيش"، هكذا رآه كبار الكتاب شاعرًا فاق زجله مستوى العبقرية، فصارت كلماته نجومًا ومض بريقها في سماء الشعر العربي، هو الشاعر المصري بيرم التونسي، الذي تحل ذكرى وفاته اليوم. 

بين أحياء الإسكندرية، وتحديدًا في حي السيالة، ولد محمود محمد مصطفي بيرم في 23 مارس عام 1893، لعائلة ذات أصول تونسية، وعاش طفولة بائسة، فحينما أتم الرابعة من عمره، التحق بيرم بكُتاب الشيخ جاد الله، وكان الكُتاب يقع في حي زاوية خطاب الذي يتوسط بين حي الأنفوشي وحي الميدان، الذي كان يقع فيه مصنع والده، فكان يخرج من الكُتاب إلى المصنع ليقضِ باقي اليوم بعد الدراسة.

ونتيجة لقسوة الشيخ جاد، لم يتمكن بيرم من استيعاب أية معلومات، فاضطر أبيه لإخراجه من الكتاب بعدما اكتشف أنه لا فائدة من تعليمه، فجلس بيرم مع أولاد عمه في دكان الحرير الذي يمتلكه، ويقول بيرم في مذكراته عن تلك الفترة من حياته أنه لم يستفد من كتُاب سيدنا إلا في الإلمام بمبادئ القراءة والكتابة فقط؛ فلم يكن للشيخ أي دور في تشجيعه على الثقافة أو النهم للمعرفة أو الاستدامة في القراءة.

وعلى الرغم من هذه المعاناة التي كابدها بيرم في طفولته، لم يأس الأب من محاولة تعليمه مرارًا وتكرارًا، فأرسله إلى مسجد المرسي أبو العباس، حيث المعهد الديني، الذي كان يتردد عليه أغلب أبناء تجار، فأقبل بيرم على ما كان يلقي في هذا المعهد من دروس في نهم وشغف، ولكنه لم يكمل دراسته في هذا المعهد؛ حيث جاء موت أبيه ليوقفه عن دروسه.

وجابه التونسي، العديد من الظروف الأسرية القاسية، ففي العام الذي خرج فيه بيرم من الكُتاب، فُوجئ بحادثين؛ الأول هو مولد أخته وموتها بعد هذا الميلاد بثلاثة أيام، والحادث الثاني جاء عن طريق المصادفة، حينما اكتشفت أمه أن زوجها تزوج عليها سرًا من فنانة كانت تتردد على دكانه.

وعلى إثر هاذين الحادثين، عاش بيرم التونسي طفولة تعيسة بائسة، فكان لا يقبل اللعب مع الأطفال، وإنما اكتفى بمراقبتهم وقت اللعب، وزاد من ذلك موت الأب الذي لم يترك للأم والأخت والابن غير المنزل الذي يعيشون فيه، بعد أن استولت زوجة أبيه على ثروته لحظة موته، التي كانت خمسة آلاف جنيه ذهبًا، واستولى أبناء عمه على تجارة أبيه.

ونتيجة لذلك انقطع بيرم عن الدراسة وهو في الثانية عشرة من عمره، واضطر للالتحاق كصبي في محل بقالة؛ حيث أصبح رجل البيت، إلا أنه لم يستمر في هذا العمل حيث طُرد منه، ولكن لم ينته الأمر عند هذا الحد، إذ تزوجت أمه، والتحق بيرم بالعمل مع زوج أمه، في عمله الشاق وكان يعمل بصناعة هوادج الجمال.

وفي عام 1910، توفيت والدة بيرم التونسي، وعلق بيرم على موت أمه، قائلًا: "ابتدأت حياة من الضياع، فقد انتقلت للإقامة مع أختي لأبي المتزوجة من خالي، وكانت تعد علي الأنفاس والحركات والسكنات وتضيق ذرعًا بأية خدمة تؤديها لي".

وعندما بلغ السابعة عشر من عمره، قرر بيرم الزواج خاصة بعد وفاة أمه، فكلف شقيقته الكبرى بالبحث له عن زوجة من أسرة محافظة في الحي، وتجدها في ابنة تاجر عطارة، ويتم الزواج ويعيش معها في حجرة في بيت أبيها. 

وكشرت الحياة عن أنيابها مبكرًا، فأغلق بيرم محل البقالة الذي كان فتحه قبل الزواج، وأعلن إفلاسه، إلا أنه لم يستسلم، خاصة وأن على عاتقه مسئوليات زوجته، فلم يكن أمامه سوى بيع المنزل الذي تركه له أبيه، وعمل في تجارة السمن من ثمن المنزل واشترى بباقي النقود بيت صغير في الأنفوشي.

وبعد ست سنوات من الزواج؛ توفت زوجة التونسي، تاركة له ولدًا اسمُه محمد وبنتًا اسمها نعيمة، ولم يعرف الأب كيف يعاملهما، فلم يجد طريقًا سوى الزواج مرة ثانية، ويتزواج مرة أخرى بعد 17 يومًا من موت الزوجة.

وفي وقت مبكر من صدر شبابه، ربط الفن بينه وبين سيد درويش، وعمق صداقتهما، وجمعهما في السهرات الفنية، التي كانت تشهدها الإسكندرية في ذلك الوقت، وكتب بيرم لسيد درويش عدة أغانِ، ودخل بيرم مجال الصحافة إذ أصدر صحيفة "المسلة"، تبعها بعد ذلك بالعمل في عدة صحف مصرية.

ونفي بيرم التونسي عدة مرات؛ إذ نُفي من مصر إلى تونس ثم إلى باريس؛ لتبدأ حياته كشاعر منفي يحن إلى وطنه ويظهر ذلك في أعماله، التي كان يقوم بها وهو في المنفى، وعندما قامت ثورة 1952 في مصر، فرح بها بيرم وأيدها وقال فيها الأشعار والأزجال.

وفي عام 1954، حصل بيرم على الجنسية المصرية، ودخل المجال الفني ليؤلف الكثير من الأغاني والمسرحيات الغنائية، كما عمل بيرم التونسي مع أم كلثوم، وفريد الأطرش، وأسمهان، ومحمد الكحلاوي، وشادية، ونور الهدى، ومحمد فوزي، كذلك قدم بيرم العديد من الأعمال الإذاعية، وهو ما دفع الرئيس جمال عبد الناصر إلى منحه جائزة الدولة التقديرية عن جهوده؛ في الأدب والفن عام 1960.

وقبل أن يمر عام على تقدير الدولة المصرية له، رحل بيرم عن الدنيا في5 يناير 1961، بعد معاناة مع مرض الربو، تاركًا للأجيال إرثًا كبيًرا من الأزجال والقصائد والمسرحيات وتجربة عريضة مملوءة بالدروس؛ خاصة في مجال النضال الاجتماعي من أجل الوطن؛ مما جعل يُطلق عليه وبحق؛ فنان الشعب، وشاعر العامية، وهرم الزجل.
مصدر الخبر
الدستور

أخبار متعلقة