فى 21 أكتوبر 2015 أصدر الرئيس عبدالفتاح السيسى قرارًا جمهوريًا بتعيين طارق عامر رئيس البنك الأهلى الأسبق محافظًا للبنك المركزى، بعد استقالة هشام رامز قبل انتهاء مدته القانونية بأسابيع محدودة، إذ إن مدة رامز كانت تنتهى فى 26 نوفمبر 2015، وقتها اجتمع الرئيس بالمهندس شريف إسماعيل رئيس مجلس الوزراء وهشام رامز محافظ البنك المركزى وطارق عامر الذى تولى المهمة خلفا لرامز. جاء اختيار الرئيس لعامر كمحافظ للبنك المركزى لمدة أربع سنوات اعتباراً من 27 نوفمبر 2015 بعد أن كان قد شغل منصب نائب أول محافظ البنك المركزى خلال الفترة من عام 2003 وحتى عام 2008، وشارك خلال تلك الفترة فى تنفيذ وإعداد برنامج إصلاح القطاع المصرفى والسياسة النقدية.
التوقيت الذى تم فيه التعيين كان صعبا بسبب نقص موارد الدولة من العملات الأجنبية والارتفاع المتزايد فى سعر صرف الدولار أمام الجنيه، إلى جانب وجود حالة كبيرة من الفوضى فى الواردات السلعية من الخارج، ولذلك كان أهم تكليف من الرئيس للمحافظ الجديد يتعلق بتوفير كل السلع الأساسية للمواطنين، وضبط الأسعار وتفعيل وسائل الرقابة على السوق لوقف نزيف العملة المصرية أمام العملات الأجنبية.
لم تكن مهمة عامر سهلة، ولكنه كان يرى منذ اليوم الأول أنها ليست مهمة مستحيلة، فعلاوة على تردى الوضع وقتها كان على المحافظ الجديد أن يعرف كيف يتعامل مع مجموعة كبيرة من أصحاب المصالح من المستوردين والمستثمرين من رجال الأعمال، لأن كل قرار يصدره البنك المركزى ستكون آثاره المباشرة على مصالحهم، وبالتالى من المتوقع أن يخوضوا حروبا ضده أدواتها المال والإعلام.

أولى الحروب التى خاضها عامر كانت بناء على التكليف الرئاسى بضبط الأسعار، والحد من عشوائية الاستيراد، فخاض حربا ضد المستوردين فأصدر عدة قرارات للقضاء على عمليات الاستيراد العشوائى التى كانت سببا فى الضغط على الاحتياطى النقدى الأجنبى، وألزم عامر المستورد بتقديم شهادة من البنك الخارجى الذى يتعامل معه فى الدول التى يقوم بالاستيراد منها، ورفع الاعتمادات الاستيرادية على السلع إلى 100? بدلاً من 50? من قيمة السلع التى يتم استيرادها باستثناء الأدوية والأمصال والمواد الكيماوية الخاصة بها، وألبان الأطفال.
أصدر عامر قرارا بعدم تقييد الاعتمادات المستندية الخاصة باستيراد سلع لغير غرض الاتجار، مثل ما تقوم المصانع باستيراده من السلع الرأسمالية أو مستلزمات الإنتاج والخامات وغيرها بغير القواعد المصرفية المعتادة، ومنع إعادة تمويل العمليات الاستيرادية لأغراض التجارة التى تخضع لتأمين نقدى بواقع 100? وغيرها وهو ما اعتبره المستوردون حربا عليهم بعدما كشف تلاعبهم بالدولار والفواتير الجمركية، وانقسم مجتمع الأعمال وقتها لفريقين، الأول يضم المستوردين ضد عامر والصناع والمستثمرين خلفه لكون القرارات تهدف لحماية الصناعة الوطنية، ومنع استنزاف موارد الاحتياطى النقدى، والقضاء على فوضى الواردات السلعية رغم ضعف جودتها.
كانت حالة فوضى الواردات تسببت فى كثير من الأضرار للمصانع المحلية واستنزاف النقد لدرجة دفعت الدكتور مجدى عبدالعزيز رئيس مصلحة الجمارك للتأكيد أن قرارات البنك المركزى الجديدة الخاصة بعمليات الاستيراد تستهدف القضاء على ممارسات بعض المستوردين لتهريب الدولار، وكشف خلال مؤتمر صحفى عقده مع مسئولى وحدة اتفاقية أغادير عن قيام عدد من المستوردين بالتحايل على القانون بعدة طرق، أبرزها التلاعب بفواتير البضائع وما يتعلق بنموذج 4 الذى يقضى بكتابة بيانات البنك الخارجى، وقيمة التمويل ويوقع عليه المستورد فقط، وكذلك تهريب العملة الصعبة على دفعات من خلال تسفير مجموعة من الموظفين بحوزة كل منهم الحد المسموح به بقيمة 10 آلاف دولار.

تولى أحمد شيحة رئيس شعبة المستورين قيادة الحرب الإعلامية ضد عامر، فأكد أن رفع أسعار السلع ينعكس على المواطن البسيط، ومثال ذلك رفع سعر الحديد أدى إلى ارتفاع أسعار الوحدات السكنية، مشيرا إلى أن القطاع الخاص يمثل نسبة 70? من حجم قطاع الأعمال فى مصر، حيث إنه فى قطاع البنوك نجد 80? من البنوك أجنبية وكذلك كل القطاعات يسيطر عليها القطاع الخاص حتى تجارة التجزئة، ومصر تستورد أبسط الخامات حتى «المسمار»، معلنا أن حجم الاستيراد وفقا للسوق الموازية 120 مليار دولار.
ووصف شيحة المجموعة الاقتصادية التى تدير البلاد بالهواة، وقال إنهم لا علاقة لهم بما يدور فى الشارع وكذلك الصناعة والتجارة الخارجية، وأوضح أن مصنعا واحدا فى تركيا يصدر بمقدار 19 مليار دولار، فيما يبلغ حجم صادرات مصر بالكامل 22 مليار دولار، وأعلن شيحة أن فى مصر 50 فردا حاصلون على ثلث القروض 250 مليارا هم المسئولون عن الخراب من احتكار للسلع وتحويلات البنوك وتسهيلات، وكل المميزات يحصلون عليها على حساب الشعب.

الحرب الثانية لعامر كانت ضد المستثمرين الذين هللوا له فى حربه الأولى ضد المستوردين، لكون قراراته تأتى ضد مصلحتهم، ففى بادرة هى الأولى من نوعها فى إطار نزاع السلطة ورأس المال تمت إدارة حرب ضروس تولى تنظيمها عدد من الإعلاميين بصحيفتين واحدة مستقلة وأخرى قومية بتكليف من عدد من المستثمرين تحت مسمى خسائر تحرير سعر الصرف، وكانت «البوابة» حاضرة فى تفاصيل الأحداث من البداية حتى لقاء المحافظ بعدد من المستثمرين دون التوصل إلى صيغة ترضى المستثمرين.
الحرب الضروس بدأ ترتيبها من سوهاج عبر جمعية المستثمرين لشن حملة صحفية ضد طارق عامر محافظ البنك المركزى لإجباره على إصدار قرار بإلزام البنوك بمعاملة المستثمرين على أساس سعر الصرف وقت الاقتراض فى معاملة هى الأولى من نوعها فى تاريخ الجهاز المصرفى.
أكدت مصادر لـ«البوابة» أن عددا من كبار المستثمرين الذين كانوا خلف إثارة الأزمة قرروا الاختفاء، فمنهم من سافر للخارج ومن تمارض ومن أغلق تليفوناته قبل بدء التنفيذ بساعات، فسافر بعضهم للخارج إلى أوروبا وأمريكا واختفى البعض الآخر داخل مصر بعد أن أغلقوا جميع هواتفهم.
مصادر أكدت لـ«البوابة» أن عددا من رجال الأعمال الحاصلين على قروض بالعملة الأجنبية رصدوا أموالا تقدر بنحو 5 ملايين جنيه لشن حملة على المحافظ تحت مسمى التحدث باسم أكبر 100 شركة صناعية وتجارية، وعلمت «البوابة» أن بعضهم حاول التواصل مع المحافظ الذى وافق بالفعل على اللقاء، إلا أن أحدهم أجرى اتصالا بمكتب «المحافظ» مشترطا حضور قانونيين لصياغة ما سيتم التوصل إليه من اتفاق قانونى، إلا أن مكتب «المحافظ» رفض التهديد والوعيد وهو ما كان سببا فى تهديد بعضهم باللجوء إلى الرئيس السيسى، ورفع عدة مذكرات أسموها بأخطاء طارق عامر فى الاقتصاد المصرى. تصاعدت أزمة جمعيات المستثمرين بعد أن أوشكت شركاتهم على الإفلاس بعد التأثر الكبير بارتفاع أسعار الدولار لمستويات قياسية، ومع علم مصدر حكومى لبعض خلفيات الحملة جرى التنسيق بين اتحاد الصناعات والبنك المركزى للمناقشة بعد رفض عامر الاجتماع بمن أسموهم أصحاب مصالح خاصة، فأعلن اتحاد الصناعات أن المهندس محمد زكى السويدى رئيس اتحاد الصناعات المصرية والسيد طارق عامر محافظ البنك المركزى التقيا لمناقشة المقترح المقدم من اتحاد الصناعات المصرية واتحاد الغرف التجارية فيما يخص مديونيات الشركات بالعملة الأجنبية.

كان ممثلو جمعيات المستثمرين قد اجتمعوا بأحد الفنادق الكبرى، وجرى حشد وسائل الإعلام والصحف تحت مسمى مناقشة وطرح حلول لإنقاذ الشركات من الإفلاس بعد ارتفاع مديونياتها لدى البنوك ومواجهتها لمشكلات فى ميزانياتها بسبب فروق أسعار العملة.
خلال المؤتمر الصحفى حذر رؤساء 9 جمعيات من أن استمرار الأزمة سيؤدى إلى إفلاس الشركات نتيجة تجاوز خسائرها لأكثر من 50? من رءوس أموالها، وتشريد أكثر من مليونى عامل فى هذه الشركات، وتوقف استيراد كافة أنواع السلع سواء غذائية أو دوائية أو صناعية أو زراعية ما سيؤدى إلى نقص حاد فى السلع الاستراتيجية فى الأسواق، بالإضافة إلى تعريض أصحاب هذه الشركات والمسئولين بها للمساءلة الجنائية لعدم سداد مستحقات البنوك.
قال المجتمعون: إن البنوك تقاعست عن تغطية كامل الاعتمادات المستندية المفتوحة لاستيراد السلع فى حينها، وقبل تحرير سعر الصرف، كما طالبوا بسداد قيمة المستندات بأسعار الصرف الحالية، الأمر الذى سيؤدى إلى خسائر كبيرة تمثل أكثر من 100? من رءوس أموال الشركات، لكونها قامت باستيراد مستلزمات إنتاج ومواد خام ومنتجات يحتاجها السوق المصرية، وتم بيعها بالجنيه المصرى بالأسعار التى سبقت قرار تحرير سعر الصرف ونشرت جمعيات المستثمرين استغاثة لرئيس الجمهورية تطالبه فيها بالتدخل لإنقاذ شركاتهم من الإفلاس.
بالفعل نجحت حملة المستثمرين فى إجبار محافظ البنك المركزى ونوابه على إصدار قرارات من داخل اجتماع اتحاد الصناعات شملت تقسيط المديونيات الناتجة عن فروق العملة بعد تعويم الجنيه على مدد تتراوح بين سنة واحدة وثلاث سنوات بحد أقصى حسب ظروف كل شركة، وتثبيت سعر الدولار بقيمة محددة، ويكون ذلك بناء على طلب كل شركة على حدة وبالاتفاق مع البنك المعنى بالحالة وحسب ظروف كل شركة.
تم إصدار تعليمات لكافة البنوك بعدم اتخاذ أى إجراءات قانونية أو إجرائية أو إشهار إفلاس لأى شركة تكون مديونياتها ناتجة عن فروق العملة بعد تعويم الجنيه، وفى حال عدم الاتفاق بين أى من الشركات والبنوك يتم الرجوع إلى البنك المركزى للبت فى الحالة واتخاذ القرار المناسب بشأنها. وتم الاتفاق على ألا يتم إعلان إفلاس أى شركة نتيجة مطالبات البنوك فى نطاق مشكلة المديونيات الناتجة عن فروق العملة بعد التعويم، وتخصيص 10 مليارات جنيه بفائدة 12? للشركات التى لا تتجاوز مبيعاتها مليار جنيه سنوياً لتدعيم رأس المال العامل لكل شركة أو لجزء منه، وتخصيص 10 مليارات جنيه بفائدة 12? للمطورين الصناعيين فى المحافظات لتحفيزهم على إنشاء مناطق صناعية بالإيجار وذلك لدعم الشباب، وتمويل مشروعات الألبان والدواجن واللحوم بفائدة تتراوح بين 5? و7? و10? حسب حجم الشركة، لتشجيع الاستثمار فى هذه المجالات بهدف تقليل تكلفة الإنتاج وزيادة حجم المعروض، مما سيكون له أثر مباشر على انخفاض الأسعار وتخفيف الأعباء عن كاهل المواطن.