في يناير 1980، أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر في خطابه عن حالة الاتحاد، أن الولايات المتحدة سوف تصد أي "محاولة لأي قوة خارجية للسيطرة على الخليج العربي" من أجل حماية "حركة البترول في الشرق الأوسط".
وحافظ كارتر وخلفاؤه على هذا التعهد، بتكثيف القدرات العسكرية الأمريكية في المنطقة وحتى القتال في حرب الخليج لمنع عراق صدام حسين من السيطرة على إمدادات البترول في المنطقة.
ورغم أن واشنطن لديها عدد من المصالح في الخليج على مر السنين، بما في ذلك منع الانتشار النووي، ومكافحة الإرهاب، ونشر الديمقراطية، إلا أن الدافع الرئيسي لتدخلها في المنطقة دائما، كان الحفاظ على تدفق البترول.
وعلى مدى عقود، لم يثير هذا الالتزام خلافا يذكر، وحتى أولئك الذين ينتقدون تحالفات الولايات المتحدة في أوروبا وآسيا، باعتبارها مكلفة للغاية، عادة ما يعترفون بأن واشنطن يجب أن تدافع عن الخليج، نظرا لأنه ينتج ما يقرب من ثلث الإنتاج العالمي من البترول، ولكن العالم تغير بشكل حاد منذ تبنت الولايات المتحدة هذا الموقف في المنطقة.
خلال الحرب الباردة، كان الاتحاد السوفيتي أكبر تهديد لمصالح الولايات المتحدة، وكان صناع السياسة الأمريكية يتخوفون من أن تقطع موسكو تدفق البترول، فتعوق قدرة القوات الأمريكية ـ التي تستهلك الكثير من الغاز على كسب أي حرب كبرى في أوروبا.
ولكن منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، تغيرت طبيعة المصالح الأمريكية، ففي السابق كان كلا من الأمن والرخاء القومي على المحك، الآن صار الرخاء وحده هو المحك.
وكان لذلك آثار قوية على سياسة الولايات المتحدة، حيث لم يعد معظم الأمريكيين يقبلون تعريض الجنود الأمريكيين للأذى دفاعا عن المصالح الاقتصادية، وفي إطار الدعوات المطالبة بأن تنفض الحكومة الأمريكية يديها من منطقة الخليج، يطرح كثيرون، ومنهم تشارلز جلاسر وروز ماري كيلانيك، في مقال نشرته "فورين أفيرز" التساؤل عما إذا كانبترول الخليج يستحق الدفاع عنه بالقوة العسكرية الأمريكية؟.

ويقول الكاتبان إن الإجابة على هذا التساؤل، تتطلب البحث في أربعة تساؤلات أخرى: أولا، ما هو مدى تعطل تدفق إمدادات بترول الخليج، إذا أنهت الولايات المتحدة التزامها؟ ثانيا، مدى الضرر الذي سوف يترتب على الاقتصاد الأمريكي؟ .
ثالثا، ما هو حجم الإنفاق الأمريكي حاليا على الدفاع العسكري عن تدفق البترول الخليج؟ وأخيرا، ما هي البدائل غير العسكرية المتاحة للحيلولة دون انقطاع التدفق، وبأي ثمن؟ .
ويوضحان أن الإجابة على هذه الأسئلة تكشف أن تكاليف منع حدوث خلل كبير في تدفق بترول الخليج، تتجاوز ـ على أقل تقدير ـ الفوائد المتوقعة من هذه السياسة، لذلك، يرى الكاتبان أن الوقت قد حان كي تنهي الولايات المتحدة التزامها العسكري بحماية بترول الخليج، من خلال زيادة الاستثمار في تدابير، من شأنها زيادة حماية الاقتصاد الأمريكي من التعرض لتعطل كبير في امدادات البترول، وعلى الولايات المتحدة ـ في رأيهما ـ أن تكون خلال عشر سنوات تقريبا، في وضع يسمح لها فعلا بإنهاء التزامها.
التهديدات أمام تدفق بترول الخليج
قبل إجراء تقييم دقيق للسياسة الأمريكية الحالية، ينصح المقال بالتخلي عن مفهوم خاطئ وشائع؛ فغالبا ما يؤكد الساسة والمفكرون أن الولايات المتحدة بحاجة إلى التخلي عن اعتمادها على البترول المستورد، من خلال زيادة إنتاجها المحلي، للحد من تضررها من تعطل إمدادات البترول، وبذلك تتمتع بالاستقلال في مجال الطاقة.
ولكن هذه الحجة تسيء فهم كيفية عمل سوق البترول العالمية، حيث أن الاستقلال مفهوم بلا معنى، عندما يتعلق الأمر بـ سلعة قابلة للتداول، ونظرا لأن البترول يباع في السوق العالمية، ويرتبط سعره في الولايات المتحدة ارتباطا وثيقا بسعره في كل مكان. فلا يهم كم من البترول يتدفق من منتج معين إلى مستهلك بعينه.
والمهم هو السعر العالمي للبترول، الذي يعتمد على العرض والطلب في جميع أنحاء العالم، وأي اضطراب يقلل المعروض بشكل حاد، سوف يضر جميع المستهلكين. لذلك حتى لو انخفضت واردات البترول الأمريكية من الخليج، سوف تتأثر الولايات المتحدة بالاضطرابات هناك التي أثرت على سعر البرميل عالميا.
وإذا انسحبت الولايات المتحدة من المنطقة، من الممكن أن نتصور مدى الاضطراب الذي يمكن أن يترتب على ذلك، ولكن لا يبدو أن أيا من السيناريوهات المتخيلة، مؤكدا: تخيل أن دول الخليج قد تعزز سيطرتها على ما يكفي من البترول في المنطقة للتلاعب مع الأسعار العالمية، ربما عبر غزو جيرانها، من الناحية النظرية، قد تتمكن قوة معادية من إجبار الدول المستهلكة للبترول مثل الولايات المتحدة وحلفائها.
المشكلة مع هذا السيناريو هو أنه لا توجد مثل هذه الهيمنة الإقليمية في الأفق، وأدى الغزو الأمريكي والفوضى التي تلته إلى تدمير العراق. وأدت العقوبات الغربية إلى إضعاف إيران، وانصب تركيز قادتها على التهديدات الداخلية.
ورغم تدخل السعودية، في الحرب الأهلية في اليمن، لم تبد أي اهتمام باحتلال الأراضي، وينبه الكاتبان إلى مخاطرة افتراضية ثانية؛ كأن تعرقل حرب موسعة للهيمنة الإقليمية إمدادات البترول، عبر إتلاف البنية التحتية للبترول في منطقة الخليج، وجعل الشحن مخاطرة كبيرة جدا، حتى لو لم تظهر قوة مهيمنة.
ولكن العديد من العوامل التي تستبعد السيناريو السابق تنطبق أيضا على هذا السيناريو، فنظرا لعدم امتلاك أي من قوى المنطقة فرصة معقولة للفوز بالهيمنة، فمن المرجح أن تكون مترددة في شن حرب كبيرة لاكتساب الهيمنة.
وربما تحاول قوة منها غزو دولة رئيسية أخرى، ولكن حتى هذا سيكون صعبا، فلا تشكل إيران أو السعودية هدفا سهلا الأخرى، حيث يفصل الخليج بينهما، وربما يكون العراق أكثر عرضة للغزو، نظرا انقساماته الداخلية وحدوده مع إيران، لكن إيران تواجه تحديات خاصة بها، وقد تعلمت من المثال الأمريكي مدى صعوبة السيطرة على العراق.
فضلا عن أن البنية التحتية للبترول في المنطقة تستطيع تحمل حتى حرب شاملة، فقد واصل المقاتلون لتصدير البترول خلال الحرب بين إيران والعراق في ثمانينيات القرن الماضي، على سبيل المثال، وإن كان ذلك بمستويات منخفضة. وبعد ارتفاع في الأسعار، دام فترة قصير في بداية الحرب، عادت الأسعار إلى مستويات ما قبل الحرب، ولم تمنع الحرب وفرة النفط في منتصف الثمانينيات التي ولدت انخفاضا حادا في الأسعار.

الخطر الثالث المحتمل؛ أن تعطل إيران تدفق البترول عبر مضيق هرمز للضغط الولايات المتحدة وحلفائها. ويعتبر الضيق الذي يبلغ اتساعه 21 ميلا عند أضيق نقطة فيه، حاسما لمرور 17 مليون برميل من البترول تقريبا يوميا، بما يساوي 20 % من الإنتاج العالمي. وعلى الرغم من أن إيران تفتقر إلى القدرات العسكرية لإغلاق المضيق تماما، فلديها بعض القدرة على قطع حركة ناقلات البترول عبر المضيق، عن طريق وضع الألغام وإطلاق الصواريخ المضادة للسفن، على سبيل المثال، غير أن الخبراء يختلفون حول كيفية قيامها بذلك.
وليس من الواضح، حتى الآن، ما إذا كانت إيران سوف تختار فعلا إغلاق المضيق، فمن شأن ذلك الإضرار عائداتها البترولية، وإثارة معارضة شرسة من دول الجوار. وفي الواقع، لم تبد إيران ميلا في السابق لمثل هذه الخطوة، حتى أثناء حربها مع العراق. وربما يؤدي إنهاء التزام الجيش الأمريكي نحو الخليج إلى تغير في البيئة الإقليمية، قد تعيد معه طهران النظر في ترددها السابق.
ومن المرجح أن تنتهك إيران ـ في خليج ما بعد أمريكا ـ الاتفاق النووي وإذا هاجمها الغرب أو أعاد العقوبات، تسعى لخفض تدفق حركة ناقلات البترول عبر المضيق. مثل هذا السيناريو غير محتمل، ولكن تزيد احتمالاته إذا أخلت الولايات المتحدة بتعهدها لحماية المضيق.
ويتمثل الخطر الرئيسي الأخير أمام تدفق البترول من الخليج في أن تقع دولة من كبار مصدري البترول ضحية عدم الاستقرار الداخلي الهائل الذي يعرقل الإنتاج، وتمثل السعودية السيناريو الكابوس؛ ليس فقط لأنها تنتج أكثر من 10% من الناتج العالمي، لكنها تمتلك أيضا القدرة الاحتياطية التي يمكن استخدامها لمواجهة أي خلل في مكان آخر.
غير أن صادرات السعودية تبدو آمنة في الوقت الحاضر، حيث تحمي قوات الأمن السعودية النقاط الحرجة في البنية التحتية للبترول في البلاد، ويسهل إصلاح المكونات الأخرى للنظام بسرعة، لذلك من المرجح أن تفشل أي مجموعة إرهابية في إحداث تخريب.
رغم وأن المملكة تواجه العديد من الصعوبات، لا يكاد يكون هناك احتمالا لأحداث تسبب اضطرابات واسعة النطاق لفترة طويلة، مثل حرب أهلية أو ثورة. حيث تتمتع العائلة المالكة السعودية بالشرعية في نظر الغالبية، ويستفيد قطاع كبير من السكان من الثروة البترولية، ولدى النظام قوات أمن النظام عالية الكفاءة، وهذه جميعها أسباب تفسر نجاة السعودية من الربيع العربي.
فضلا عن أنه بافتراض وقوع غير المتوقع مثل حرب أهلية أو ثورة، يكاد يكون من المؤكد أن أي نظام جديد سوف يواصل بيع بترول البلاد، نظرا لاعتماد اقتصاد البلاد على ذلك. وحتى لو أنهت الولايات المتحدة التزامها العسكري المباشر نحو الخليج، يمكنها أن تواصل سرا دعم الأمن الداخلي السعودي، من خلال تدريب قوات الأمن الداخلي، وتقاسم المعلومات الاستخباراتية، وبيع الأسلحة والمعدات.
باختصار، إذا قررت الولايات المتحدة التخلي عن التزامها العسكري في الخليج، ربما يزيد إلى حد ما احتمال تعطل إمدادات البترول من المنطقة، خاصة في مضيق هرمز، ولكن ستظل الاحتمالات طفيفة. ولكن كيف سيكون حجم تكلفة مثل هذا التعطل؟
تكلفة تعطل الإمدادات
تتفاوت على نحو واسع، توقعات الخبراء حول الخسائر الاقتصادية من جراء تعطل إمدادات البترول، ولكن أفضل التقديرات الحالية تشير إلى أن انخفاض واحد في المائة في المعروض من شأنه أن يؤدي إلى زيادة ثمانية في المائة في السعر العالمي. وبناء على ذلك، من شأن وقف تدفق ما يقرب من عشرة ملايين برميل يوميا ـ
ما يمثل خسارة الصادرات السعودية بالكامل، أو انخفاض نحو 60 في المائة في الصادرات عبر مضيق هرمز ـ أن يتسبب في زيادة أسعار البترول إلى ما يقرب من الضعف. بيد أن العالم لم يشهد مثل هذا الدمار الشامل، وبالتالي يصعب قياس التأثير الفعلي لمثل هذا الحدث على الأسعار ، ومن ثم ربما يكون الخطر أكبر.

كما تختلف تقييمات حساسية الاقتصاد الأمريكي لأسعار البترول أيضا على نطاق واسع، ولكن هناك تقدير معقول يرى أن تضاعف أسعار البترول سيؤدي إلى انكماش نكمش الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي بنسبة ثلاثة في المائة أو ما يقرب من 550 مليار دولار. وبطبيعة الحال، تؤدي الاضطرابات الصغيرة إلى خسائر اقتصادية صغيرة، وأن التعطل الكر كارثية ـ إغلاق مضيق هرمز فترة طويلة ـ سوف يسبب خسائر كبيرة.
غير أن التكاليف الفعلية ستكون أصغر بكثير بالنسبة للولايات المتحدة ، لأن واشنطن يمكن أن تستفيد من الاحتياطي الاستراتيجي ـ مخزونها البترولي تحت الأرض ـ في حالات الطوارئ، لتخفيف الضغط على الأسعار.
وتشكل 700 مليون برميل مخزنة حاليا جزءا من احتياطيات أعضاء وكالة الطاقة الدولي التي تربو على أربعة مليارات برميل. وقد تأسست الوكالة في 1974 لتنسيق الجهود الجماعية لمواجهة الاضطرابات الكبرى في امدادات البترول. وتكفي احتياطيات الوكالة لتعويض الخسائر النفطية الناجمة عن اغلاق مضيق هرمز لمدة ثمانية شهور كاملة. وخلال الأشهر الأولى من الأزمة، يمكن للولايات المتحدة استخراج نحو 4.4 مليون برميل يوميا من المخزون الاستراتيجى، ويمكن للبلدان الأخرى في وكالة الطاقة الدولية استخراج 8.5 مليون برميل يوميا من احتياطياتها. ويمكن للصين ـ وهي ليست عضوا في وكالة الطاقة الدولية ـ اللجوء للاحتياطي الاستراتيجي الذي تخزنه، و يتوقع أن لديها القدرة على تعويض ما يوازي وارداتها البترولية لمدة 90 يوما.
ومن ثم، يرى الكاتبان أنه في حالة حدوث اضطراب هائل في إمدادات البترول من الخليج، يمكن لتنسيق جهود اللجوء للاحتياطيات المختلفة أن يعوض الغالبية العظمى من الخسارة اليومية. ولكن حتى في أسوأ السيناريوهات، التي لم يسبق لها مثيل، سوف يتم تخفيف تأثير الاضطراب إلى حد كبير.
تكلفة مواصلة الالتزام العسكري
من أجل استكمال العملية الحسابية الاقتصادية للتكاليف والفوائد المتعلقة بإنهاء التزام الولايات المتحدة بحماية بترول الخليج عسكريا، يتعين أيضا حصر تكاليف الحفاظ عليه؛ حيث يأتي الكثير من هذه التكاليف من شراء وتشغيل القوى التي تدعم خطط الحرب الأمريكية. منذ نهاية الحرب الباردة، كانت متطلبات قوة البنتاجون تستلزم أن يكون لدى جيش الامريكي القدرة على ردع وهزيمة، والقضاء على اثنين من المعتدين الإقليميين في ميادين مختلفة في نفس الوقت تقريبا، وعادة ما كان مخططا أن أحدهما في الخليج. وتمثلت الفكرة وراء الحرب ذات المستويين في استبعاد احتمال أن تخوض الولايات المتحدة حربا في منطقة تعطها عن مواجهة معتد انتهازي في ساحة اخرى.
ومن ثم، إذا توقفت الولايات المتحدة عن الاستعداد لحرب في الخليج، يكون لديها خياران واسعان: أولهما، الحفاظ على نهجها الحالي، والاستمرار في خطة لمواجهة اثنين من المعتدين، مع إحلال مسرح إقليمي جديد محل الخليج.
والثاني، الاكتفاء بمتطلبات الحرب واحدة. وبالنظر إلى أنه لا توجد في الوقت الراهن منطقة أخرى تشكل تهديدا يستلزم إزاحة الخليج من نظام الحربين، سوف تجد الولايات المتحدة نفسها قادرة على اعتماد الخيار الأخير، إذا أنهت التزامها بحماية تدفق بترول الخليج.
ولا شك أن تقدير تكلفة تلبية المتطلبات العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج معقد، لأن العديد من القوات التي سوف تستخدم لحالات الطوارئ هناك، يمكن أن تستخدم أيضا في أماكن أخرى. ورغم تفاوت تقديرات الخبراء، اعتبرت أفضل التقديرات – بناء على حجم قوات الولايات المتحدة في حرب الخليج، والتغيرات في جيوش القوى الإقليمية منذ ذلك الحين ـ أنه إذا انتقلت الولايات المتحدة إلى متطلبات الحرب الواحدة ، سوف توفر ما يقرب من 75 مليار دولار في السنة، أو نحو 15 في المائة من ميزانية الدفاع الأمريكية. ويمكن تحقيق وفورات من الانتقال نحو قوة أصغر، بتخفيض مجموعتين من حاملات الطائرات الهجومية، واثنين من فرق الجيش، وبضع مئات من طائرات القوات الجوية المقاتلة وقاذفات القنابل.
لكن تكاليف الالتزام نحو الخليج لا تقتصر على متطلبات القوة فقط. فقد خاضت الولايات المتحدة أيضا حروبا باهظة الثمن، لحماية المصالح البترولية الأمريكية في المنطقة إما بصورة مباشرة أو غير مباشرة. فقد شنت حرب الخليج في المقام الأول من أجل حماية تدفق البترول. وعلى الرغم من حرب العراق عام 2003 لم تكن من أجل البترول، إلا أن وجود البترول يفسر لماذا يؤمن صناع القرار بأهمية تحقيق الاستقرار والديمقراطية في المنطقة ولماذا تخوفوا لهذه الدرجة من امتلاك العراق أسلحة نووية. ولا شك أن إنهاء الالتزام العسكري نحو الخليج سوف يوفر الكثير نمن الدولارات والأرواح الأمريكية.
هل توجد وسيلة أفضل؟
وأخيرا، فإنه يجدر بنا أن نتساءل ما هي بدائل الاعتماد على الجيش لحماية نفط الخليج المتاحة. يوضح الكاتبان، أن هناك مجموعة واسعة من الخيارات غير العسكرية لزيادة العروض من البترول وخفض الطلب، ومن شأن هذه الخيارات أن تعزز قدرة الولايات المتحدة على مواجهة اضطراب كبير في تدفقات البترول.
على جانب العرض، يمكن تحسين القدرة الأمريكية بزيادة حجم المخزون الاحتياطي الاستراتيجي. وعلى سبيل المثال، إذا زاد المخزون الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي بنسبة 50 في المائة، فستكون قادرة على تعويض حصتها من الطلب العالمي خلال فترة تعطل كبير في إمدادات البترول لعدة أشهر أكثر. وبافتراض استمرار الأسعار في نطاق مستوياتها خلال العقد الماضي، من 35 دولارا إلى 115 دولارا للبرميل، فإن هذا التوسع يكلف ما بين عشرة مليارات دولار و 40 مليار دولار.
وعلى جانب الطلب، يتمثل مفتاح الحل في الحد من زيادة استهلاك الاقتصاد الأمريكي للبترول، وبالتالي التحصن ضد ارتفاع الأسعار. ويستهلك قطاع النقل نحو 70 في المائة من استهلاك البترول في الولايات المتحدة، لذلك يتعين السعي لتخفيض الاستهلاك في هذا القطاع. وقد رفعت حكومة الولايات المتحدة ـ منذ عهد جورج دبليو بوش، وخلال عهد باراك أوباما ـ مرارا، معايير كفاءة استهلاك الوقود للسيارات والشاحنات الخفيفة، ولكنها تستطيع أن تفعل المزيد لخفض الاستهلاك.
وسوف تشجع زيادة الضرائب على البنزين، على تقليل معدل قيادة السيارات، كما تحفز الشركات المصنعة لتطوير مركبات أكثر كفاءة. ويمكن للحكومة أيضا تقديم حوافز إضافية للمستهلكين من أجل شراء سيارات تعمل بالكهرباء أو الغاز الطبيعي، ودعم إنشاء البنية التحتية اللازمة لخدمتها. ويمكن أن تستثمر أكثر في البحث والتطوير في مجالات مثل السيارات التي تعمل بالهيدروجين.
ولا توفر بعض هذه الاستثمارات، في جانب الطلب ـ خاصة في مجالات البحث والتطوير ـ عوائد مؤكدة، ولكنها مجتمعة، تفعل الكثير للحد من أضرار حدوث تعطل كبير إمدادات البترول الخليجي. وإذا أنفقت الولايات المتحدة بين مائة إلى مائتي مليار دولار على مزيج من هذه الجهود، يمكن خفض استهلاك البترول إلى النصف بحلول عام 2035.
بل أنه إذا بلغ الاستثمار الأمريكي السنوي في هذا النطاق عشرة مليارات دولار، لن يمثل هذا القدر الكبير من المال سوى جزء صغير من حوالي 75 مليار دولار تنفقها واشنطن سنويا للدفاع عن الخليج.
ويمكن للولايات المتحدة أيضا المشاركة في مجموعة من الجهود الدولية للحد من زيادة الآثار الاقتصادية لتعطل إمدادات البترول. فبالإضافة إلى توسيع مخزون الاحتياطي الاستراتيجي، ينبغي أن تعمل على إقناع شركائها في وكالة الطاقة الدولية والدول المستهلكة الرئيسية الأخرى لتحقيق زيادات مماثلة في احتياطياتها. كما ينصح الكاتبان واشنطن بالضغط على كافة دول الخليج، وأولها المملكة العربية السعودية للحد من تعرضها لإغلاق مضيق هرمز، من خلال زيادة قدرة خطوط أنابيبها العابرة للمضيق. وعلى الرغم من أن بعض هذه القدرات موجودة بالفعل، يمكن لهذه الدول زيادتها.
بداية النهاية
يظهر حساب التكاليف والفوائد المترتبة على الالتزام العسكري الأمريكي في الخليج، أن السياسة الحالية ليست مضللة بشكل كبير: فغالبا ما يكون من المناسب التحوط ضد أي احتمال ضعيف، والأحداث ذات التكلفة العالية. غير أن قطع إمدادات بترول الخليج، لم يعد يشكل تهديدا خطيرا للولايات المتحدة من ناحية الأمن القومي. وعلى الصعيد الاقتصادي، تحصنت البلاد بشكل جيد ضد أسوأ أنواع تعطل إمدادات البترول، ولديها خيارات تخفيض خسائرها.
ويوضح المقال أن على الولايات المتحدة، في الوقت الراهن، أن تحافظ على التزامها العسكري نحو الخليج، بينما تتخذ الخطوات اللازمة لتهيئة نفسها لإنهاء هذا الالتزام في نهاية المطاف. كما ينبغي عليها ـ خلال العقدين المقبلين أن تستثمر في سبيل حماية نفسها من التعرض للصدمات في كل من جانبي العرض والطلب. ومن الممكن تحقيق مكاسب كبيرة في غضون عشر سنوات من خلال زيادة المخزون الاحتياطي الاستراتيجي، مع إدخال تحسينات في كفاءة استهلاك الوقود، وزيادة خطوط الأنابيب التي تتجاوز مضيق هرمز.
ويرى الكاتبان أنه بمجرد أن تحقق الولايات المتحدة مرونة أكبر تعطل إمدادات البترول، عليها أن تكون مستعدة لضبط التزامها نحو الخليج وفقا للتهديدات في المنطقة، لا سيما تلك التي تشكلها إيران. ويرجح الاتفاق النووي أن يتراجع التهديد الإيراني. ومع فرض عقوبات على صادرات طهران البترولية، صار لديها أكثر من سبب لعدم التصرف بعدوانية و للحفاظ على تدفق بترول الخليج، لأنها سوف تخسر المزيد من العائدات في حالة حدوث اضطراب. فضلا عن احتمالات حصولها على الردع النووي، صارت أقل، وتضاؤل احتمال شعوره بالقدرة على تهديد مضيق هرمز.
فإذا كان التهديد الإيراني سيتراجع في الواقع، وإذا كانت الاستثمارات الأمريكية في البدائل غير العسكرية، تقلل إلى حد كبير من تعرض الاقتصاد الأمريكي لاضطرابات تدفق البترول، ستكون واشنطن مهيأة جيدا لإنهاء التزامها العسكري لحماية تدفق بترول الخليج.
ولكن إذا تزايد التهديد الإيراني، أو ظهرا خطر كبير آخر في المنطقة، سوف تواجه الولايات المتحدة خيارا أصعب: فمن ناحية، يمكن أن تقرر إنهاء التزامها العسكري على الرغم من زيادة احتمال تعطل امدادات البترول، مع الاطمئنان إلى تحسين درجة مرونتها، وتوجيه المدخرات نحو أولويات أخرى.
ومن ناحية أخرى، قد تقرر أن أفضل خيار لها هو الحفاظ على التزامها العسكري في الخليج، والاستفادة من انخفاض الحساسية للاضطرابات كبيرة ولكن مع الاستمرار في إنفاق مبالغ كبيرة لحماية تدفق النفط في الخليج. وبطبيعة الحال، سوف يعتمد القرار أيضا على العوامل أخرى وراء الالتزام العسكري الأمريكي نحو الخليج، من أهمها مسألة الانتشار النووي.
غير أن ما يلفت النظر، أن صناع القرار ظلوا ـ طوال عقود ـ يرفضون التشكيك في ضرورة حماية البترول في الخليج، حتى مع ضعف الحجة التي يعتمد عليها هذا الالتزام إلى حد كبير.
غير أن عدم إعادة التفكير في هذا الالتزام سيكون خطأ جسيما، يحرم الولايات المتحدة من توفير مئات المليارات من الدولارات، ويجعلها وتخاطر بإرسال قواتها إلى المنطقة لمعركة لا داعي لها.