انتصارًا استراتيجيًا أحرزه الجيش السوري اعتمادًا علي الدعم العسكري من روسيا وإيران، أعاد الحياة مجددًا إلى العاصمة الصناعية لسوريا، لأول مرة منذ أربعة أعوام؛ ظلت طيلتها مدينة حلب واقعة في براثن فصائل معارضة معتدله، وأخرى متطرفة.
جاء إعلان الجيش السوري فرضًا كاملًا لسيطرته على حلب عقب انتهاء عملية إجلاء المدنيين والمقاتلين من آخر الأجزاء، التي كانت واقعة تحت سيطرة المعارضة هناك، أول أمس الخميس، بعد تأجيل طويل بسبب ظروف الطقس.
أربع أعوام ونصف العام، هي عمر واحدة من أشرس المواجهات العسكرية، التي شهدها أحياء حلب أكبر مدن سوريا على الإطلاق، بين المعارضة السورية بما فيها الجيش السوري الحر، الميليشيات السنية بما فيها الجبهة الشامية ضد القوات التابعة للحكومة السورية، بدعم من حزب الله وروسيا، وضد وحدات حماية الشعب الكردية.
"احتفالات تقهر الموت"
وبمجرد إعلان تحرير مدينة حلب، تحولت شوارع عدة في الأحياء الغربية إلى ساحات احتفال، بعد أن حولها احتدام المعارك بين القوات النظامة والعناصر المسلحة طوال الشهر الجاري إلى مدينة أشباح، تخيم عليها مشاهد الدمار ورائحة الموت؛ حيث اختلطت الهتافات المؤيدة للحكومة السورية بأبواق السيارات، التي جابت الأحياء ابتهاجا.
أما في الجهة المقابلة، فكانت الأحياء الشرقية التي سيطر عليها الجيش مؤخرًا شبه خالية، بعدما غادرها عشرات الآلاف من سكانها هربًا من المعارك منذ منتصف الشهر الماضي، كما أجلى آلاف آخرين في الأسبوع الأخير.
"حلفاء الأسد"
"بفضل دماء شهدائنا الأبرار وبطولات وتضحيات قواتنا المسلحة الباسلة والقوات الرديفة والحليفة وصمود شعبنا الأبي؛ تعلن القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة عودة الأمن والأمان إلى مدينة حلب بعد تحريرها من الإرهاب والإرهابيين وخروج من تبقى منهم من المدينة".. بهذه الكلمات أعلنت قوات الأسد نتائج معركة تحرير حلب، لتتوالى في أعقابها ردود الفعل الدولية.
وانطلق أول تعليق على لسان الرئيس السوري بشار الأسد، الذي أكد أن الانتصارات في حلب فتحت باب العمل السياسي في سوريا، معتبرًا إن استعادة كامل السيطرة على حلب تمثل انتصارًا لحلفائه الروس والإيرانيين وانتصارًا لبلاده أيضًا.
وقال الأسد، في تصريحات أدلى بها بعد اجتماع مع وفد إيراني رفيع، إن تحرير حلب من الإرهاب ليس انتصارًا لسوريا فقط، بل لكل من يسهم فعليًا في محاربة الإرهاب، وخاصة لإيران وروسيا، مضيفًا أن الانتصارات الميدانية "خطوة أساسية في طريق القضاء على الإرهاب في كامل الأراضي السورية، وتوفير الظروف الملائمة؛ لإيجاد حل ينهي الحرب".
وعقب ذلك، أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، اتصالًا هاتفيًا مع نظيره السوري؛ لتهنئته باستعادة السيطرة على حلب، معتبرًا إياها تشكل خطوة بالغة الأهمية نحو السلام، مؤكدًا أن الهدف بات هو التركيز على القضايا المتصلة بالتسوية السلمية للنزاع، وخصوصًا عبر التوصل إلى اتفاق شامل.
وتابع قائلًا: "يجب القيام بكل شيء لكي تتوقف المعارك في كل الأراضي السورية، وفي مطلق الأحوال، هذا ما نسعى للحصول عليه".
"معسكر الخاسرين"
وعلى النقيض من السابق، خيمت الصدمة والحسرة على معسكر الخاسرين في معركة حلب الكبرى، الذين تتصدرهم المعارضة السورية؛ فالهزيمة لا تقتصر على الجانب العسكري فقط، بعد سقوط أكبر معاقلها في شرق حلب، وإنما بعد أن أخذ حلم إقامة دولة إسلامية يتبدد، بعدما سارعت أعداد متزايدة من المسلحين بتسليم أسلحتها للحصول على عفو من الدولة، وتحررت الكثير من البلدات دون قتال، تحت الضغط الشعبي الرافض لوجود المسلحين.
وفي المرتبة التالية؛ تأتي الولايات المتحدة، المتزعمة للمخطط وصاحبة الكلمة الأولى والحضور القوي على الساحتين السورية والعراقية، التي تدراكت سريعًا الأمر، بعد أن لوحت بورقة مضاعفة تسليح تشكيلات المتطرفين في سوريا بالمعدات العسكرية.
وجاءت تلك الخطوة، بعد أن صادق الرئيس الأمريكي باراك أوباما، مساء الجمعة، على ميزانية وزارة الدفاع لعام 2017، والبالغة 619 مليار دولار أمريكي، بعد أن أقرها الكونغرس بمجلسيه النواب والشيوخ.
وأضيف على مشروع القانون قبل إقراره بند يمهد الطريق لتزويد المعارضة السورية بصواريخ مضادة للطيران، محمولة على الكتف، بعد تحقيق شروط معينة؛ وحيث تضم ميزانية هذا العام، ميزانية حرب بقيمة 67 مليار دولار؛ لاستخدامها في العمليات ما وراء البحار.
حاولت الولايات المتحدة الخروج بأقل الخسائر الممكنة من المعركة، بعد أن رأت الاستجابة للمطلب الروسي بخروج المسلحين من جنوب شرق حلب، لكنها أرادت تحسين شروط استسلام المسلحين، تفاديًا لقتلهم داخل حلب، بحسب ما أوردته صحيفة النيويورك تايمز في تقرير لها بعنوان "حان الوقت لوقف القتال".
لكن رفض بعض حلفاء واشنطن الاعتراف بالهزيمة، دفعها إلى التلويح بأنها ستدرس تزويد المسلحين بصواريخ مضادة للطائرات، في خطوة يرى مراقبون أن الهدف منها هو خفض سقف طموحات التحالف الروسي السوري الإيراني المنتصر، وامتصاص غضب رموز المعارضة السورية، حتى تتسلم إدارة دونالد ترامب السلطة.
أما تركيا، التي تراجع ترتيبها في قائمة الخاسرين، بعد أن شهد اتسمت سياستها حيال الملف السوري بقدر من المرونة على نحو كبير، لاسيما بعد أن أبدت القوات السورية تعاونًا غير مسبوق من قصف مواقع قوات كردية مدعومة من واشنطن مؤخرًا، قد رمى لأن يظهر بشار الأسد أمام أنقرة شريك جاد باستطاعته الإبقاء على الأكراد السوريين قيد السيطرة.
وقد يكون الأمر الأهم الحملة القمعية، التي شنها أردوغان في أعقاب محاولة الانقلاب العسكري الفاشل في يوليو الماضي، التي لاقت انتقادات غربية واسعة؛ ما دفع أردوغان للاقتراب أكثر من روسيا الراعي المخلص للنظام السوري.
إسرائيل هي الأخرى طالما منت نفسها بتنفيذ مخطط تقسيم دول المنطقة على أسس مذهبية وعرقية، بل لعبت دورًا في المعركة الدائرة وقتها، بعد أن شنت هجومًا صاروخيًا على مطار المزة العسكري قرب دمشق، وأحرقت بعض خزانات الوقود في المطار.
بيد أن إعلان تحرير المدينة السورية الأكبر والأهم على الإطلاق، أغضب الدوائر الرسمية الصهيونية بشدة، حيث وصف وزير الأمن الإسرائيلي ليبرمان، ما حدث بأنه "زلزال عنيف هز المنطقة"، ووضع شرطين لوقف القتال في سوريا، أولها إقصاء الرئيس السوري، والثاني هو انسحاب إيران وحزب الله من سوريا.
أما بعض دول الخليج فقد أثارت معركة حلب قلقها الشديد، خاصة مع القلق المتزايد من سياسة الرئيس الأمريكي الجديد تجاه المنطقة، لكنها التزمت الصمت على الصعيد الرسمي مكتفية بإطلاق العنان لأبواقها الإعلامية، تتحسر على الهزيمة الساحقة، التي منيت بها المعارضة المسلحة المدعومة من جانبها.
إذ علق الإعلامي بفضائية الجزيرة التابعة لقطر، فيصل القاسم عبر صفحته في موقع تويتر للتواصل الاجتماعي، بتدوين تغريدات يهاجم بها روسيا والرئيس فلاديمير بوتين، في حين تجاهل كتابة رأيه عن ما حدث.
ونقل في إحدى تغريداته تصريح منسوب للمعارض السوري عبد الحليم خدام، قال فيه :"المعارضة وأميركا مسئولتان عن سقوط حلب".