سياسة مصر في ليبيا: انفتاح متزايد على طرفي الأزمة.. واستمرار الرهان على «حفتر»

الأربعاء , 11 يناير 2017 ,11:36 م , 11:36 م



-

وكأن الوقت توقف في ليبيا عند نهاية 2015، عادت الأطراف الليبية مؤخرًا -هذه المرة بمساعٍ مصرية من جهة وجزائرية من جهة أخرى- لمحاولات المصالحة وإعادة المناقشة حول الاتفاق السياسي، الذي ظل تنفيذه رهن خلافات لم تُحَلّ منذ توقيعه بالصخيرات المغربية في ديسمبر 2015، بغرض إنهاء الانقسام.

على مدى العامين اللذين تليا توقيع الاتفاقية؛ تمسكت القاهرة بالرهان على بعض الأطراف الليبية، ليس من بينها حكومة الوفاق الوطني المنبثقة عن اتفاق الصخيرات، والتي تحظى باعتراف دولي، دون ثقة البرلمان الليبي. لكن السلطات المصرية تبنت في الأسابيع الأخيرة سياسة جديدة، تضمنت فتح الباب أمام الحكومتين الليبيتين المتنازعتين، والتحضير للقاء مباشر بينهما، وفقًا لأطراف ليبية، سيكون الأول منذ أكثر من عام.

في 17 ديسمبر 2015، وقّع ممثلون عن مجلس النواب الليبي، المجتمع في طبرق شرقي البلاد باعتراف دولي، اتفاقًا في منتجع الصخيرات بالمغرب، برعاية بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا، أطلق عليه اسم «الاتفاق السياسي»، وذلك بحضور ممثلين عن المؤتمر الوطني العام في طرابلس غربي البلاد، وهو البرلمان الناتج عن انتخابات عام 2012 (يغلب عليه الإخوان المسلمون)، والذي تمسك بالسلطة التشريعية بعد انتهاء ولايته.

نتيجة الاتفاق، تَشَكَّل المجلس الرئاسي الليبي ذو التسعة أعضاء، برئاسة فائز السراج، وانبثقت عنه «حكومة الوفاق الوطني».

 ورغم وصول حكومة الوفاق إلى العاصمة طرابلس في مارس 2016، وهي خطوة لم تستطعها حكومة برلمان طبرق منذ 2014، فإن الحكومة فشلت في الحصول على ثقة البرلمان، ما يعني عدم تمكنها من إدارة شؤون البلاد بالكامل. ومع ذلك فقد باشرت الحكومة عددًا من المهام، منها إطلاق عملية عسكرية، منفصلة عمّا يُسمى «الجيش الوطني الليبي»، التابع لحكومة طبرق، والذي يقوده خليفة حفتر.

حفتر هو حليف مصر الأساسي في المعادلة الليبية، منذ أعلن رفضه لتمديد عمل المؤتمر الوطني العام (إخوان مسلمون) في يناير 2014، ثم إعلانه إطلاق عملية «الكرامة» في مايو من نفس العام، لمواجهة الجماعات المسلحة المتشددة، وأبرزها تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، وكذلك جماعة فجر ليبيا وميليشيات مصراتة وغيرها.

بمقتضى الاتفاق السياسي، أعلن المؤتمر الوطني العام في إبريل الماضي «تسليم السلطة» إلى «المجلس الأعلى للدولة»، وهو هيئة استشارية تتكون من 145 عضو، معظمهم من أعضاء «المؤتمر». وشكل ذلك المجلس وفدًا معنيًا بجهود المصالحة مع مجلس النواب بطبرق. قام هذا الوفد بزيارة القاهرة، يوم الخميس الماضي- 5 يناير، في زيارة هي الأولى منذ إعلان الاتفاق.

في تصريحات لـ«مدى مصر»، أوضح صلاح ميتو، عضو وفد مجلس الدولة إلى القاهرة، وعضو المؤتمر الوطني العام السابق، أن الاجتماع مع اللجنة المصرية المعنية بالملف الليبي يوم الخميس الماضي، جاء بناءً على دعوة من القاهرة – هي الأولى من نوعها- لمجلس الدولة الليبي، وعدها ميتو خطوة إيجابية «لأن ليبيا بها أطراف غير برلمان طبرق وحكومته، ومن المهم أن تستمع مصر إلى كافة الأطراف، وليس إلى طرف واحد».

وتشكلت اللجنة المصرية المعنية بليبيا بقرار من الرئيس عبد الفتاح السيسي في أغسطس الماضي، وأسند رئاستها إلى رئيس أركان حرب القوات المسلحة، الفريق محمود حجازي، الذي كان مسؤولاً عن التعاون مع الجيش الليبي بقيادة حفتر لسنوات. وحضر اجتماع الخميس من الجانب المصري كل من مساعد وزير الدفاع للشؤون الخارجية والتعاون الدولي، اللواء محمد الكشكي، وممثل عن وزارة الخارجية، ومن مجلس الدولة الليبي، حضر مرعي رحيل ومحمد التومي، عضوا المؤتمر الوطني العام السابقان، بالإضافة لصلاح ميتو.

اجتماع الخميس كان الخامس للجنة المصرية مع أطراف ليبية، وسبقته اجتماعات مع ممثلين عن مجلس النواب، ورئيس المجلس عقيلة صالح، وعدد من الشخصيات السياسية والاجتماعية.

 خرج أحد تلك الاجتماعات ببيان سُمي «بيان القاهرة»، في 13 ديسمبر الماضي، اعتبر موقعوه الاتفاق السياسي -الذي لم يتبناه البرلمان الليبي رسميًا بعد، ولم يضف إلى الإعلان الدستوري الحاكم للبلاد- «أساسًا يصلح لحل الأزمة الليبية»، بعد إدخال بعض التعديلات عليه.

وهنا يكمن أساس الخلاف بين حكومتي شرق وغرب ليبيا، ومربط فرس المحاولات المصرية لوصول الليبيين إلى حل. ففي حين يرفض البرلمان الليبي تبني الاتفاق السياسي قبل إدخال التعديلات الخمسة التي يقترحها عليه؛ ترفض إدارة الغرب مناقشة التعديلات قبل تبني البرلمان للاتفاق رسميًا «وإلا نكون رجعنا إلى المربع صفر»، بحسب ميتو.

ويؤكد ميتو أن وفد مجلس الدولة الليبي لم يذهب للقاهرة «من أجل التفاوض، بل لإبداء حسن النوايا وتأكيد استعدادنا للتحاور مع الجميع». ويضيف: لكن مناقشة التعديلات على الاتفاق يجب أن تتم، وفقًا للآليات المحددة في الاتفاق السياسي، وهي: تضمين الاتفاق في الإعلان الدستوري، ثم تشكيل لجنة من الطرفين، لبدء الحوار ومناقشة التعديلات «بلا حدود». مؤكدًا: «وغير ذلك فبيان القاهرة كان جيدًا».

التعديلات التي تصر عليها حكومة الشرق، والمذكورة في بيان القاهرة، تتركز على تعديل المادة الثامنة من الاتفاق السياسي، والمواد المتعلقة بها في الملاحق، والتي تضع السلطة العسكرية في البلاد تحت مظلة حكومة الوفاق الوطني. حيث يرغب برلمان طبرق في الاحتفاظ بقيادة الجيش تابعةً له، وليس للحكومة. وتتضمن التعديلات كذلك تغيير تكوين المجلس الرئاسي الليبي الحاكم، المكون من تسعة أعضاء، ليتكون من ثلاثة فقط هم الرئيس ونائبان، بالإضافة إلى تعديل لجنة الحوار «بشكل يراعي التوازن الوطني».

من جانبه أكد المجلس الرئاسي الليبي مرارًا رفضه للتعديل المقترح على المادة الثامنة من الاتفاق، مصرًا على أن «المعمول به في جميع دول العالم أن القيادة العسكرية تكون دائمًا تحت مظلة القيادة السياسية»، كما جاء على لسان نائب رئيس المجلس، أحمد معيتيق، قبل أيام.

تزامنت زيارة وفد مجلس الدولة إلى القاهرة، مع زيارةٌ أخرى إلى الجزائر، قام بها عبد الرحمن السويحلي رئيس المجلس، والنائب السابق بالمؤتمر الوطني العام، وهو أيضًا عضو بمجلس النواب ولكنه يقاطع أعماله. التقى فيها السويحلي مع رئيس مجلس الأمة الجزائري، عبد القادر بن صالح، ووزير الشؤون المغاربية والأفريقية، عبد القادر مساهل، لمناقشة إمكانات المصالحة.

التباين بين الرؤيتين المصرية والجزائرية حول الأزمة الليبية يمتد منذ سنوات، حين كانت القاهرة تستقبل شيوخًا لقبائل ليبية، وتوفر ملجأً لأنصار الرئيس السابق معمر القذافي، وعلى رأسهم مبعوثه الشخصي وابن عمه، أحمد قذاف الدم، وآخرين غيره. في حين استضافت الجزائر اجتماعات بين الأطراف الليبية المتنازعة، انتهت بعدد من المسودات السابقة على النص النهائي للاتفاق السياسي الذي أُعلن في الصخيرات بالمغرب في ديسمبر 2015.

الباحث في الشؤون الليبية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، زياد عقل، يرى أن الفارق بين السياستين المصرية والجزائرية تجاه ليبيا، هو أن «مصر تريد فقط أن يظل حفتر قائدًا للجيش، بينما الجزائر تولي اهتمامًا أكبر لأمنها الحدودي، وتهتم بالاتفاق مع القوة الموجودة بالقرب من حدودها، في غرب ليبيا»، وهي حكومة طرابلس وقوات «البنيان المرصوص» الموالية لها.

ويرى عقل كذلك أن تغيرًا طرأ على السياسة المصرية تجاه ليبيا، فبعد أن «راهنت مصر طويلًا على الحسم العسكري من قبل قوات حفتر للنزاع في ليبيا، وهو ما لم يحدث؛ غيرت دفتها للسعي وراء تعديل اتفاق الصخيرات، انطلاقًا من أنه فور الاتفاق على التعديلات، وتنفيذ الاتفاق رسميًا؛ سيُلغى قرار الأمم المتحدة بحظر تسليح الجيش الليبي»، وهو قرار عطل كثيرًا تقدم قوات حفتر، بالرغم من اتهام تقارير عدة لمصر بخرقه، عبر إرسال أسلحة أو دعم عسكري للجيش الوطني الليبي على مدى العامين الماضيين.

 ونفى مبعوث الجامعة العربية إلى ليبيا، في مؤتمر صحفي عقده اليوم الأربعاء، تورط  النظام المصري في خرق حظر الأسلحة، ملقيًا باللوم على ما أسماه مافيا السلاح في دول الجوار.

ولا يستبعد عقل التوصل لاتفاق في النهاية، يجمع قوات الجيش الوطني الليبي وقوات «البنيان المرصوص» التابعة لحكومة الوفاق الوطني، بالنظر إلى عاملين أساسيين: أولهما: أنه مع المعطيات الحالية «لا يستطيع أي من الطرفين امتلاك النفوذ العسكري في ليبيا بالكامل، لأن أيًا منهما لا يمتلك القوة الكافية»، وثانيهما؛ أن «الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر أصبح حقيقة عسكرية، وأجبر الناس على الاقتناع بأنه لا يمكن التخلص منه، ولا يمكن التوصل [برغمه] لحسم عسكري، خاصةً مع تمكن حفتر من الحصول على موارد من مصر والإمارات، على عكس قوات البنيان المرصوص. وهذا يُمكِّن حفتر من الاستمرار في المعركة لفترة طويلة».

ومع استعداد الأطراف الليبية للمشاركة في مفاوضات مباشرة محتملة، أوضح ميتو، عضو مجلس الدولة: أن القاهرة أوضحت لهم سعيها لتبني تلك المفاوضات، وأكد هو ترحيب طرابلس بها. ولكن؛ يظل ما يُقال في العلن مختلفًا عما قد يُلمح إليه في الغرف المغلقة. المستشار الإعلامي لرئيس مجلس النواب الليبي بطبرق، فتحي المريمي، أكد لـ«مدى مصر» تمسك إدارة الشرق في طبرق «بالرهان على حفتر، وبغير هذا ستفشل أي جهود، لأنه على الأرض لا توجد قوة قانونية غير قوات حفتر، [يمكنها أن] تقضي على الإرهاب والإسلام السياسي وعملاء التدخلات الأجنبية».

واستدرك المريمي: «ورغم ذلك نقول إن الحوار ربما يوفر علينا المزيد من القتال والآلام، إذا توصلنا لحلول مناسبة». لكنه أتبع مهددًا: «وإن لم يحدث، لن يكون أمام الجيش الليبي إلا أن يجتاح ليبيا بأكملها، ويسيطر عليها لتعود لأبنائها. نحن لا يمكن أن نتفق مع عملاء الاستخبارات الأجنبية والدول التي تعبث بليبيا، ولكن إن تركوا هم التحالف مع الأطراف الأجنبية قد نتفق معهم».

وجدد المريمي التأكيد على شرط حكومة شرق ليبيا بحل كافة «الميليشيات»، بما فيها «البنيان المرصوص»، وأن يكون في ليبيا جيش موحد بقيادة خليفة حفتر، وينضم له فقط من له صفة عسكرية سابقة من مقاتلي المجموعات المسلحة.

وبينما تواردت تكهنات عن لقاءات مباشرة محتملة، بين أطراف النزاع في ليبيا بضغط مصري وجزائري؛ خرج حفتر الأسبوع الماضي لينفي ذلك عبر حوار صحفي مع «كورييري  دي لا سيرا» الإيطالية، اعتبر فيه الاجتماع مع السراج «في حالة الحرب التي تشهدها ليبيا تضييعًا للوقت»، وقال إن المحادثات مع السراج بدأت منذ أكثر من عامين «دون أن تفضي إلى شيء».

جاءت تلك التصريحات في وقت شهدت فيه قاعدة الجفرة الجوية بوسط ليبيا مناوشات بين الجانبين، حيث أسقطت قوات حفتر طائرة قالت إنها كانت تنقل أسلحة وذخيرة للميليشيات المتحالفة مع تنظيم «القاعدة»، بينما أعلن مجلس مدينة الجفرة، القريب من حكومة طرابلس، أن القصف وقع في وقت تواجد فيه وفد مدني تابع للحكومة، فلقي أحد أعضاء الوفد حتفه، الأمر الذي اعتبره مراقبون نذيرًا بتعثر المفاوضات الليبية.

صلاح ميتو، يرى أن اتفاق مصر والجزائر على خارطة طريق لحل الأزمة الليبية من شأنه تسهيل إنهائها بشكل كبير، وربما التوصل لاتفاق. معربًا عن تفائله بحدوث ذلك في القمة المصرية الجزائرية التونسية التي دعا إليها الرئيس التونسي، الباجي قائد السبسي، قبل أيام، متوقعًا ان تنجح هذه الخطوة في «محاولة رأب الهوة بين سياستي القاهرة والجزائر». غير أنه حذّر من أن «التوترات ستطفو على السطح حين يبدأ الخوض في التفاصيل». ومن المرجح أن تتناول زيارة السراج، رئيس حكومة الوفاق، اليوم الأربعاء، إلى القاهرة تفاصيل وموعد انعقاد تلك القمة.

توجُّه المسؤولين المصريين للتواصل مع الأطراف الليبية في طبرق وطرابلس، جاء بعد شهور من التعاطي المستمر مع المجموعات السياسية المناصرة للنظام الليبي السابق، والتواصل -المعلن في بعضه- معها. لذلك أثارت عدم دعوة تلك المجموعات إلى اجتماعات القاهرة استغراب الأمين العام للتجمع الوطني الليبي، أحد المجموعات السياسية الموالية للقذافي، أسعد زهيو، الذي أكد أنه «قبل الشهر الماضي [ديسمبر]، كان هناك تواصل كبير من الحكومة المصرية، وتعامل مستمر معنا، لذلك استغربت لعدم دعوتنا إلى الاجتماعات التي قالت القاهرة إنها موسعة وتضم كافة الأطراف الليبية».

إلا أن زهيو ذكر أنه تمت دعوتهم إلى جلسة واحدة تلت إعلان «بيان القاهرة»، حضرها أعضاء من اللجنة المصرية المعنية بليبيا، وبعض الشخصيات الليبية القريبة من برلمان طبرق، لإطلاعهم على البيان.

وبالرغم من تركز جهود المصالحة على الوصول لصيغة ترضي الجميع من اتفاق الصخيرات، يرى زهيو أن الاستمرار في أي مفاوضات بناء على اتفاق الصخيرات «هي مضيعةٌ للوقت، لأن اتفاق الصخيرات أنتج حكومة مرفوضة، وغير شرعية، ولأن كل عمليات المصالحة الليبية منذ 2011 بها قصور كبير، وهو إقصاء أطراف مؤثرة مثل أنصار النظام السابق بكل ما بها من كفاءات، وهذا تهميش لفئة غير قليلة من المجتمع الليبي، كما يتم تهميش القبائل الليبية، وهي ذات نفوذ كبير في مجتمعاتها، ويملك شيوخها الكثير من أجل الحل».

 

المصدر | مدى مصر

تابعنا علي فيسبوك

شاركنا برأيك

ما رأيك فى أداء الحكومة الحالية