فايننشال تايمز: هل فشل أوباما في الوفاء بتعهُّدات سياسته تجاه الشرق الأوسط؟

الأربعاء , 11 يناير 2017 ,10:58 م , 10:58 م



مع وشك انتهاء حكم الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي يستعد لترك البيت الأبيض في 20 يناير/ كانون الثاني الجاري، تتقاطر الكتابات والتحليلات عن الفترتين الرئاسيتين اللتين قضاهما أوباما في البيت الأبيض بين الدفاع عنه وبين انتقاده حيال عدة ملفات في العالم وأبرزها ملف الشرق الأوسط.

ففي مقال له بصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، يرى ديفيد غاردنر محرر الشؤون الدولية في الصحيفة أن أوباما فشل في تحقيق تعهداته في المنطقة بداية من تراجعه في سوريا، وإلغاء الخط الأحمر الذي وضعه لبشار الأسد، وكذلك تنامي الدور الروسي على حساب أميركا في المنطقة التي تمثل لواشنطن أهمية قصوى.

غاردنر اعتبر أن أوباما قد يلتمس له بعض العذر في مواقفه تجاه الشرق الأوسط، كونه جاء بعد الرئيس الأميركي الذي وصف بـ"المتهور" جورج بوش، فحاول ترامب النأي ببلاده عن الدخول في حروب في المنطقة لن تضيف الجديد إلى واشنطن.

وإلى نص المقال

بالنسبة لرجلٍ متأنٍّ وحريصٍ، أُطلِق عليه ذات مرةٍ "أوباما الواقعي"، يقدِّم سجل الرئيس الأميركي المُنتهية ولايته في الشرق الأوسط صورةً مثيرةً للقلق من الصدمات والتقلُّبات التي لن تتلاشى بسهولةٍ، والتي بسببها لن يغفر له كثيرون.

يُلقي خصومه الأشد انتقاداً له باللائمة عليه، بشكلٍ واضحٍ، في التراجع الخطير لنفوذ الولايات المتحدة وقوتها في أرجاء العالم، لاسيما في الشرق الأوسط، حيث نحى الحلفاء السابقين بعيداً عن الولايات المتحدة، وأقام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين محميةً له في سوريا على مرأى من أعينِ الرئيس. وهناك أيضاً أولئك الذين يعتقدون أنَّ قراره في 2013 بعدم معاقبة الرئيس السوري بشار الأسد لاستخدامه غاز الأعصاب ضد جيوب المعارضة قرب دمشق، وهو الفعل الذي أعلن أوباما أنَّه كان "خطاً أحمر"، كان كارثةً على مصداقية الولايات المتحدة. واستغل بوتين هذا بأفضل ما يكون، ومكَّن نظام الأسد من الإمساك بزمام الأمور مجدداً من خلال سحق المعارضة في حلب.

ومع ذلك، يميل منتقدو أوباما إلى تجاهلِ حقيقة أنَّ انتخابه جاء جزئياً بسبب تعهُّده بسحب القوات الأميركية من حروب الشرق الأوسط. وانتهج أوباما استراتيجيةً دبلوماسيةً متأنَّيةً، في تناقضٍ حادٍّ مع الدبلوماسية المتهوِّرة للرئيس جورج بوش الابن، الذي تسبَّب في كارثةٍ أثَّرت على المنطقة بأسرها بعد غزوه للعراق في 2003.

وعلاوةً على ذلك، لم يرث أوباما تبعات حرب العراق فحسب، بل أيضاً تبعات عقودٍ من السياسات الأميركية والغربية الارتجالية في المنطقة. من أين نبدأ الحكاية؟ هناك تاريخٌ طويلٌ من الدعم الغربي لقادة الشرق الأوسط المستبدين، الذي كان يهدف على الأرجح إلى اختلاف الإسلاميين. ويبدو أن كلاً من الانقلاب الأنجلوأميركي (البريطاني الأميركي) ضد حكومة مصدق الوطنية في إيران عام 1953، والتواطؤ البريطاني الفرنسي مع إسرائيل لغزو مصر عبدالناصر في منطقة قناة السويس عام 1956، كما لو كانا قد حدثا بالأمس فقط. لكن يبدو أن أوباما ينطلق في تفكيره من الثورة الإسلامية في 1979، وكيفية جعل إيران الشيعية جزءاً من حلول المشكلات في المنطقة لا سبباً في تعقيدها.

لقد قَلَبَ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة ضد العراق في 2003 توازن القوى القائم منذ قرونٍ داخل العالم الإسلامي بين المسلمين السنَّة والشيعة، عن طريق الإطاحة بنظام الأقلية السُّنّية الذي قاده صدام حسين لصالح الشيعة، الذين هم أقلية بين المسلمين، لكنَّهم يمثِّلون الأغلبية في العراق. لكنَّ العراق كان بالفعل في طريقه بالفعل نحو موجةٍ من الطائفية التي كانت تلوح في الأفق.

انتهت حربُ العراقِ عام 1991 التي شنَّها الرئيس جورج بوش الأب، والتي كانت تهدف بوضوحٍ لتعزيز الولايات المتحدة في ذروة تفوُّقها الأحادي الذي أعقب الحرب الباردة، بنقطةٍ مظلمةٍ عندما غضَّ الحلفاء الطرف حين أغرق صدام حسين انتفاضةً شيعيةً في الدماء. وجاء ذلك مباشرةً في أعقاب الدعم الغربي له خلال مذابح حرب العراق ضد إيران في 1980-1988.

وكان الارتياب العميق تجاه الغرب يعني أنَّ على إيران وحلفائها الشيعة استغلال احتلال العراق في 2003 لبناء محورٍ عربيٍ ضد السُّنَّة، الذين شعروا بالخيانة من جانبِ الولايات المتحدة. وفاقم ذلك الشعور فشل أوباما في الوفاء بتعهُّداته المبهمة لمساعدة المعارضة السُّنّية المعتدلة في الإطاحة بنظام الأقلية الذي يقوده الأسد.

ومنح غزو العراق القاعدة، ومن بعدها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، أول مركزٍ عربي حقيقي لهما. وغذّت النتيجة غير المقصودة للغزو، بإنشائه نظاما شيعيا متطرِّفا، حالة اليأس التي كان يتوق الجهاديون السُّنَّة إليها. وقد واجه أوباما مفارقةً، إذ كان البقاء خارج سوريا والاستعانة بمصادرٍ خارجية لدعم المعارضة تمثَّلت في حكومةٍ إسلامية سُنّيّة في تركيا وحكومتين إسلاميتين في المملكة العربية السعودية وقطر -بينما في الوقت نفسه أنقذت إيران والميليشيات الحليفة لها الأسد- بمثابة هديةٍ مماثلةٍ أو أكبر من غزو العراق، للجهاديين. وقد ساهمت كلتا السياستين في إعادة إحياء الخلافات القديمة بين السنَّة والشيعة.

إذن، كانت نقطة انطلاق أوباما من إيران منطقية. فكان هدفه الأساسي هو تجنُّب نشوبِ حريقٍ أكبر من خلال صفقةٍ دولية تُجمِّد برنامج إيران النووي لفترةٍ قصيرة وتمنعها من إنتاج قنبلةٍ نووية. ويُعَد تحقيق هذا الهدف إنجازاً ضخماً- هذا بافتراض إمكانية صمود الصفقة في وجه تعهُّدات دونالد ترامب بتمزيقها.

ويبدو الهدف الأكبر المتمثِّل في إعادة دمج إيران في مجتمعٍ جيوسياسي هادئ، وإنشاء هذا المجتمع لتوازنِ قوى ذاتي بين الشيعة والسُّنَّة، أمراً ميؤوساً منه. بل ولقد ترسَّخت المواقف الإقليمية التي تشكَّلت على مدار عقودٍ من الزمن، بما في ذلك المواقف المتعلِّقة بمشاعر السخط تجاه الولايات المتحدة وفشل أوباما في التصدي بنجاحٍ لاحتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية.

وأصبحت علاقات الولايات المتحدة بحلفائها التقليديين في المنطقة (تركيا، وإسرائيل، والمملكة العربية السعودية، ومصر) جميعها أسوأ بصورةٍ ملموسة مما كانت عليه عندما تولَّى أوباما منصبه، في حين لم تتحقَّق عملية إعادة الضبط المأمولة مع إيران.

وفي الوقت الذي بدأت فيه بلاد الشام في التفكُّك، وظهر تنظيم داعش ومذابحه، بينما تُجرّ الولايات المتحدة للعودة إلى المنطقة، كانت إيران دائماً تقاتل بلا هوادةٍ لترسيخ نفوذها. والآن تقف في صفها روسيا التي أكَّدت قوتها من جديد. وفي غضون ذلك، تقاتل القوات الأميركية في نفس خندق إيران في العراق لطرد داعش من الموصل، في حين أنَّها على خلافٍ مع تركيا، عضو حلف الناتو، التي تقاتل ضد داعش وحلفاء واشنطن من الأكراد السوريين شمالي غربي سوريا.

بإمكان أوباما أن يَنسب الفضل لنفسه في تعقُّب وقتل أسامة بن لادن. لكن بعد انقضاء ثلاث سنوات، وفي حين كان الخلفاء الجهاديون للقاعدة يتدفَّقون من جديدٍ إلى غربي العراق قادمين من سوريا، كان أوباما يقول، وبتباهٍ إستعلائي غير معهودٍ منه، إنَّهم كانوا "الجيل الناشئ" من الإرهابيين.

قضى هذا الرئيس آخر سنتين من فترتيه الرئاسيتين، اللتين استُهلِكَتا في مواجهة خطر داعش، فقط في إضافة القليلِ إلى سجله بالمنطقة، ذلك السجل لا يرقى إطلاقاً إلى مستوى تعهُّداته السابقة.

المصدر | هاف بوست

تابعنا علي فيسبوك

شاركنا برأيك

ما رأيك فى أداء الحكومة الحالية